Accueil » معاناة المرأة الريفية في تشاد
مجتمع

معاناة المرأة الريفية في تشاد

Due to insufficient resources in Chad, people travel to water resources tens of kilometers every day

تعد المرأة الريفية في تشاد من أكثر الفئات هشاشة داخل البنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، على  الرغم من أن المرأة تمثل أساس الأسرة والمجتمع والقوة الأساسية في الإنتاج الزراعي والحيواني إلا أنها تعاني من مستويات مرتفعة من الفقر، والأمية، وضعف الخدمات الصحية، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، تتقاطع كل هذه العوامل لتشكل دائرة معاناة متوارثة عبر الأجيال، تُعيق مشاركة المرأة في التنمية وتحد من قدرتها على الخروج من الهشاشة، ومع إدراك الدولة التشادية والشركاء الدوليين لخطورة هذه الإشكالية، بدأ تنفيذ برامج موجهة للتمكين، من أبرزها مشروع تمكين المرأة والعائد الديمغرافي في الساحل «سويد» الذي يسعى إلى معالجة جذور مشكلة اللامساواة وتعزيز دور المرأة في التنمية.

Due to insufficient resources in Chad, people travel to water resources tens of kilometers every day

أغلب النســاء الريفيات يمارسن نشاطـــا اقتصاديا منخفض العائد، مرتبطاً بالعمل الزراعي غير النظامي، مع غياب الحيازة القانونية للأراضي وغياب فرص الاندماج في الاقتصاد الرسمي، وتشير تقديرات وطنية إلى أن المرأة الريفية تمثل نسبة كبيرة من السكان تحت خط الفقر، حيث يعتمد دخلها على المواسم الزراعية التي تتأثر بالمناخ، وبنقص الوسائل الإنتاجية، وغياب الدعم المالي، هذا الفقر لا يرتبط فقط بالدخل، بل يمتد إلى الفقر في التعليم، الصحة، والفرص الاقتصادية. ونتيجة لذلك، تُجبر آلاف الفتيات على ترك المدرسة مبكرًا للمساهمة في إعالة الأسرة أو للزواج المبكر، مما يُعيد إنتاج الفقر عبر الأجيال.

تشاد تصنف ضمن الدول ذات أدنى معدلات تعليم الإناث في إفريقيا، ويعود ذلك إلى مجموعة عوامل، أبرزها البعد الجغرافي للمدارس، نقص المعلمين، الفقر الأسري، والتقاليد التي تفضل تعليم الذكور على الإناث. يظهر هذا الخلل في فجوة التمدرس بين الجنسين، مما ينتج عنه نقص في تمثيل المرأة في المهن الرسمية، ونقص في الوعي الصحي، وضعف في القدرة على المطالبة بالحقوق القانونية أو الاقتصادية. الأمية هنا ليست مشكلة معرفية فقط، بل مدخل للتمييز متعدد المستويات.

المرأة الريفية في تشاد تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية وصحة الأمومة. المراكز الصحية غالبا بعيدة، ضعيفة التجهيز، أو تفتقر إلى كوادر متخصصة. ترتفع كذلك نسبة وفيات الأمهات عند الولادة، ومعدلات الحمل المبكر، ونقص الوعي بوسائل تنظيم الأسرة. وفي مجتمع محافظ، تصبح صحة المرأة موضوعا غير متداول، ما يزيد من المخاطر الصحية والنفسية. ضعف التغطية الصحية يعني أن كثيرًا من النساء يلدن دون إشراف طبي، أو يعانين من مضاعفات كان يمكن الوقاية منها بتدخل بسيط.

العنف ضد المرأة في الأوساط الريفية ليس حادثا استثنائيا، بل هو ظاهرة مرتبطة بالبنية الثقافية، وضعف القانون، والصمت الاجتماعي. حيث تتعرض النساء والفتيات للعنف الجسدي، والزواج القسري، والحرمان من الميراث، والتحرش، وغيرها من الممارسات التي تُنتج خضوعًا قسريًا. وفي ظل غياب مراكز حماية أو آليات تشريعية فعالة، يتحول العنف إلى ممارسة «مقبولة اجتماعيا»، يتم التعامل معها كجزء من العادة لا كجريمة.

وهنا جاء دور «سويد» مشروع تمكين المرأة والعائد الديمغرافي في الساحل، كأحد البرامج الأكثر شمولية في مقاربة تمكين المرأة التشادية، من خلال تدخلات تشمل التعليم، الصحة، التمكين الاقتصادي، والتغيير الاجتماعي. فقد استفادت أكثر من 127,656 فتاة من دعم مباشر عبر توفير لوازم مدرسية وتسجيل دراسي، مما ساعد في إعادة الفتيات غير المتمدرسات إلى المدرسة أو منع التسرب المبكر. كما أنشأ المشروع 520 فضاءً آمناً للفتيات، درّب من خلالها 179,591 مراهقة على «مهارات الحياة» والوعي الذاتي والقيادة.

في مجال الصحة، تم تدريب 360 عاملا صحيًا على تقديم خدمات إنجابية موجهة للفتيات والنساء، بما في ذلك التوعية بالصحة الجنسية، تنظيم الأسرة، ورعاية الأمومة. وهذا التحول يُعد خطوة جوهرية لربط المرأة الريفية بالخدمات التي كانت غائبة عنها.

أما على مستوى العنف القائم على النوع، فقد دعم المشروع أنشطة توعية مجتمعية تستهدف تغيير السلوكيات، عبر أندية «الفتيات» و»الأزواج المستقبليين»، التي تشجع ثقافة احترام المرأة ورفض الزواج المبكر والعنف الأسري.

بالرغم من النتائج الإيجابية، لا تزال هناك تحديات تحول دون تحقيق تحول جذري، أهمها: بطء تغيير العقليات التقليدية التي تُشرعن التمييز ضد المرأة، اعتماد المشروع على تمويل خارجي، ما يطرح سؤال الاستدامة بعد انتهاء التمويل، ضعف البنية التحتية الريفية، الذي يحد من نطاق وصول الخدمات الصحية والتعليمية، محدودية دمج التمكين الاقتصادي الفعلي، مقارنة بالتمكين الاجتماعي والتعليمي.

وفي الختام إن معاناة المرأة الريفية في تشاد ليست مشكلة فردية، بل قضية تنموية ترتبط بمستقبل المجتمع وقدرته على تحقيق العدالة والازدهار. وقد أظهر مشروع «سويد»  أن التدخل المتكامل قادر على تغيير معادلات قديمة، لكن نجاحه يظل مشروطًا بوجود رؤية وطنية مستدامة تُدمج سياسات تمكين المرأة في صميم التخطيط التنموي.

إن تمكين المرأة الريفية اقتصاديا، عبر التمويل الصغير والتدريب المهني،  يعزز التوعية القانونية وتوسيع حماية المرأة عبر تشريعات فعالة وآليات تنفيذ ميدانية، إنشاء نظام وطني دائم للمرافقة الصحية والتعليمية للفتيات بعد نهاية المشاريع الدولية، إشراك القيادات التقليدية والدينية في حملات إنهاء الزواج المبكر والعنف الأسري، توسيع الشراكات بين الدولة والقطاع الخاص لدعم مشاريع نسوية ريفية إنتاجية.

علـي حـامـد إدريـس

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire