في خطوة تعكس إرادة الدولة التشادية لترسيخ السلام وتعزيز التماسك الوطني، احتضن فندق راديسون بلو بالعاصمة أنجمينا، صباح الخميس 18 يونيو 2026، لقاءً حكوميًا مشتركًا بين المؤسسات الوطنية حول الاستراتيجية الوطنية للسلام (العدالة الانتقالية)، وذلك في إطار مشروع دعم حقوق الإنسان الذي نظتمه وساطة الجمهورية، وشهدت أعمال اللقاء حضور نائب رئيس الوزراء المكلف بإدارة الأراضي واللامركزية السيد ليمان محمد، ووسيط الجمهورية السفير صالح كبزابو، ووزيرة العدل وحامية الأختام المكلفة بحقوق الإنسان السيدة ندولينودجي أليكس نايمباي، ووزير الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة السيد قاسم شريف محمد، ووزير استصلاح الأراضي والإسكان والتمدن السيد محمد السليك حلاته، إلى جانب عدد من المستشارين والخبراء وممثلي المؤسسات الوطنية والشركاء المعنيين بقضايا السلام وحقوق الإنسان.

وافتتحت الجلسة بكلمة رئيس اللجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فليكس أوانسو، أكد خلالها أن احترام حقوق الإنسان وحمايته يشكلان الأساس المتين لأي مشروع وطني يهدف إلى تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
وأشار أوانسو إلى أن صيانة الحقوق والحريات العامة تتطلب تكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة والمجتمع، والعمل وفق مبادئ العدالة والمساواة وسيادة القانون، مع ضرورة تعزيز ثقافة حقوق الإنسان داخل المجتمع وتوفير الضمانات الكفيلة بحماية كرامة الإنسان وصون حقوقه الأساسية.
وأكد أن بناء السلام الحقيقي يبدأ من احترام الإنسان، وأن المجتمعات التي تنجح في ترسيخ قيم العدالة والإنصاف تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية الشاملة.
وفي كلمته المطولة قدم وسيط الجمهورية السفير صالح كبزابو رؤية شاملة لمسار العدالة الانتقالية في تشاد، مؤكداً أن البلاد تقف اليوم أمام محطة تاريخية مهمة تتطلب تجديد الالتزام الجماعي بأسس الاستقرار والوحدة الوطنية.
وقال كبزابو إن التماسك الوطني وإعادة البناء يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالأخلاق والقيم، مشيراً إلى أن مشاركة مختلف المؤسسات الوطنية في هذا اللقاء تعكس إدراكاً جماعياً بأن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق دون التزام سياسي وحكومي واضح يضع المصلحة العامة فوق كل الاعتبارات.
وأوضح أن تشاد تمتلك تاريخاً مشتركاً مليئاً بالتضحيات والشجاعة، لكنه شهد كذلك مراحل من الانقسامات والصراعات السياسية والاجتماعية التي أثرت سلباً على الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
وأضاف إلى أن الحكومات المتعاقبة بذلت جهوداً متعددة لإحلال السلام عبر الحوارات الوطنية والاتفاقيات السياسية وإنشاء آليات مختلفة لمعالجة الأزمات، إلا أن تلك المبادرات لم تحقق دائماً السلام المنشود بسبب تركيزها في كثير من الأحيان على الجوانب السياسية دون معالجة الأسباب العميقة للنزاعات، كما أنها لم تمنح الضحايا ما يكفي من الاهتمام والإنصاف.
وبين كبزابو أن الاستراتيجية الوطنية لترسيخ السلام تأتي استكمالاً لهذا المسار، حيث تهدف إلى توفير إطار وطني شامل يستند إلى مبادئ العدالة الانتقالية، ويعمل على تعزيز التماسك الوطني واستعادة الثقة بين الدولة والمواطنين وترسيخ ثقافة السلام في مختلف أنحاء البلاد.
وأكد كبزابو أن الاستراتيجية الوطنية للسلام ليست مجرد وثيقة إدارية أو إعلان للنوايا، وإنما أداة عملية للإصلاح والعمل الحكومي المشترك، تهدف إلى توحيد الجهود الوطنية وتوجيهها نحو معالجة جذور الأزمات.
وأوضح أن الاستراتيجية تأخذ في الاعتبار مختلف أشكال النزاعات التي تواجهها تشاد، بما في ذلك النزاعات السياسية والمجتمعية، والصراعات المرتبطة بالرعي والزراعة، والتوترات الناجمة عن انتشار السل
وحذر كبزابو من مجموعة من الأخطاء التي قد تؤثر على نجاح مسار المصالحة الوطنية، في مقدمتها اختزال المصالحة في المناسبات الرمزية أو الخطابات السياسية، مؤكداً أن المصالحة الحقيقية تتطلب إصلاحات عميقة وآليات دائمة وحوكمة رشيدة.
كما حذر من الخلط بين المصالحة والنسيان، موضحاً أن المصالحة لا تعني محو الماضي أو تجاهل الحقائق، بل الاعتراف بها واستعادة الكرامة ومنع الانتقام وتهيئة الظروف لبناء مستقبل مشترك.
وأشار كذلك إلى أن تحقيق السلام الدائم يتطلب إصلاحات مؤسسية وقضائية وأمنية وتعليمية واقتصادية واجتماعية تضمن عدم تكرار الأزمات والانتهاكات.
وأوضح وسيط الجمهورية أن الاستراتيجية الوطنية ترتكز على مجموعة من المبادئ الأساسية، تشمل تعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ الملكية الوطنية والمحلية للعملية، وضمان الشمول والمشاركة والإنصاف وعدم التمييز، مع إيلاء اهتمام خاص بقضايا المرأة والشباب واعتماد مقاربة إيجابية ومستدامة.
وأكد أن هذه المبادئ ليست مجرد شعارات نظرية، بل تمثل الأساس العملي الذي يمنح الاستراتيجية قوتها ومصداقيتها ويزيد من فرص نجاحها.
كما أشار إلى أن إعداد هذه الاستراتيجية جاء نتيجة مشاورات واسعة قادتها اللجنة العلمية المختصة مع مختلف الأطراف الوطنية، قبل أن تخضع لمراجعات فنية وتقنية متعددة، وصولاً إلى عرضها على المؤسسات الكبرى في الجمهورية تمهيداً لاعتمادها رسمياً.
وفي ختام أعمال اللقاء، قدم نائب رئيس الوزراء المكلف بإدارة الأراضي واللامركزية السيد ليمان محمد كلمة أكد فيها على أهمية تنظيم مثل هذه اللقاءات الوطنية التي تسهم في توعية المواطنين وترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم وتعزيز قيم المواطنة.
وأوضح أن بناء السلام لا يتحقق فقط من خلال القرارات السياسية، بل يحتاج إلى وعي مجتمعي واسع وإيمان حقيقي بقيم التعايش والاحترام المتبادل.
ودعا مختلف المؤسسات الوطنية إلى مواصلة العمل المشترك والتنسيق المستمر من أجل تحويل أهداف الاستراتيجية الوطنية للسلام إلى واقع ملموس ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين واستقرار البلاد.
وقال إن مثل هذه المبادرات الوطنية تنسجم تماما مع رؤية رئيس الجمهورية رأس الدولة المشير محمد إدريس ديبي إتنو التي وضعها في برنامجه، مذكرا إلي مواصلة الجهود في مثل هذه المبادرات.
مذكرا بأن هذه المبادئ ليست مجرد شعارات أو عبارات تُذكر في الوثائق، بل تمثل الأساس الذي يمنح هذه الاستراتيجية مصداقيتها ويضمن نجاحها.
كما أن هذه الاستراتيجية لا تعد حدثا منفصلا أو مبادرة عابرة، بل هي ثمرة مسار طويل بدأ بمشاورات أجرتها اللجنة العلمية مع مختلف الأطراف المعنية، ثم تواصل من خلال إعداد وثيقة الاستراتيجية، تلاها عمل فني وتقني، قبل عرضها على المؤسسات الكبرى في الجمهورية.
وأن عرضها اليوم أمام هذه اللجنة فيمثل مرحلة حاسمة في هذا المسار، ويفتح الباب أمام اعتمادها سياسيًا وحكوميًا، وهو شرط أساسي قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على أرض الواقع.
ونذكر إلى هذا اللقاء يعد محطة مهمة في مسار اعتماد الاستراتيجية الوطنية للسلام والعدالة الانتقالية، حيث تسعى الحكومة التشادية من خلاله إلى حشد الدعم السياسي والمؤسسي اللازم لإطلاق مرحلة جديدة من المصالحة الوطنية وبناء الثقة وتعزيز السلم الاجتماعي.
وللإشارة مع تزايد الدعوات إلى معالجة جذور النزاعات وإشراك جميع مكونات المجتمع في صناعة المستقبل، تبدو تشاد اليوم أمام فرصة حقيقية لترجمة تطلعات مواطنيها إلى مشروع وطني جامع يقوم على الحقيقة والعدالة والمصالحة، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية والسلام المستدام.
عيسى أبكر موسى











Ajouter un commentaire