Accueil » الاتجار بالبشر : تحديات متجددة ومخاطر رقمية تستدعي استجابة أشمل
حقوق الانسان

الاتجار بالبشر : تحديات متجددة ومخاطر رقمية تستدعي استجابة أشمل

يتجاوز الاتجار بالبشر في الوقت الراهن صور الاستغلال التقليدية، ليأخذ أبعادا جديدة تقودها التكنولوجيا وشبكات الاحتيال الإلكتروني، التي تستدرج الضحايا عبر وعود كاذبة بالعمل والهجرة، قبل أن تحولهم إلى أدوات للاستغلال والإكراه. وفي ظل هذا التحول، يكتسب اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر، الذي يوافق 30 يوليو من كل عام، أهمية متزايدة باعتباره محطة لتقييم التحديات المستجدة وتعزيز جهود الوقاية والتصدي لهذه الجريمة العابرة للحدود.

ويأتي إطلاق اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر في تشاد للأسبوع الوطني تحت شعار «عالقون خلف الخداع» تجسيدا لهذا الواقع، إذ بات الخداع الرقمي أحد أبرز الأساليب التي تعتمدها شبكات الاتجار لاستقطاب الشباب والباحثين عن فرص العمل والهجرة.

وتواجه تشاد، بحكم موقعها الجغرافي في قلب أفريقيا، وتداخل حدودها مع عدة دول، إضافة إلى تدفقات اللاجئين والنازحين والمهاجرين، تحديات متزايدة في مكافحة الاتجار بالبشر. وتزيد هشاشة بعض الفئات الاجتماعية، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع دائرة الفقر، وضعف الوعي بمخاطر الهجرة غير النظامية، من قابلية الوقوع في شباك شبكات الاستغلال.

ولم تعد هذه الشبكات تعتمد فقط على الاستغلال الجنسي أو العمل القسري، بل باتت تستثمر في التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لاستدراج الضحايا، قبل إجبارهم على تنفيذ عمليات احتيال إلكتروني تحت التهديد والإكراه، وهو تطور وصفته المنظمة الدولية للهجرة بأنه امتداد لنمط إجرامي بدأ في جنوب شرق آسيا وبدأ يتوسع في غرب ووسط أفريقيا.

وتؤكد المعطيات التي قدمتها المنظمة الدولية للهجرة، أن الظاهرة لم تعد مرتبطة فقط بالهجرة نحو أوروبا أو الخليج، بل أصبحت تتحرك داخل القارة الأفريقية نفسها، حيث تقع أربعة من أصل عشرة بلدان رئيسية استقبلت ضحايا ساعدتهم المنظمة بين عامي 2017 و2026م، في منطقة غرب ووسط أفريقيا. ويعكس ذلك تنامي الشبكات الإقليمية للاتجار بالأشخاص واستغلالها لحركة التنقل داخل القارة.

وتكشف الإحصائيات كذلك عن استمرار استهداف النساء والفتيات بصورة أكبر في جرائم الاستغلال الجنسي والزواج القسري والعمل المنزلي، في حين يتعرض الرجال والفتيان للعمل القسري والاستغلال في الزراعة والمناجم، إلى جانب تنامي ظاهرة تجنيدهم قسراً في أنشطة إجرامية عبر الإنترنت.

وفي هذا السياق، لا تقتصر مكافحة الاتجار بالبشر على الإجراءات الأمنية أو القضائية، بل تستوجب اعتماد مقاربة متكاملة تشمل الوقاية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتوفير فرص العمل للشباب، وتوسيع برامج التكوين المهني، إلى جانب تطوير التعاون الإقليمي لتبادل المعلومات، وملاحقة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

كما تبرز الحاجة إلى تعزيز الثقافة الرقمية لدى الشباب، ورفع مستوى الوعي بمخاطر عروض العمل المجهولة المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت بوابة رئيسية لاستدراج الضحايا، فضلاً عن إشراك وسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، في حملات توعية مستمرة تستهدف الفئات الأكثر عرضة للاستغلال.

وفي تشاد، تمثل اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر إحدى الآليات الوطنية لتنسيق جهود الدولة في هذا المجال، غير أن تعقيد الظاهرة وتطور أساليبها يفرضان تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات، وتوفير الموارد الكافية لحماية الضحايا، وتحسين آليات الإحالة والرعاية، مع ضمان الملاحقة القضائية الفعالة للمتورطين.

وفي ظل اتساع استخدام التكنولوجيا من قبل شبكات الاتجار، تبدو الحاجة ملحة إلى إدماج البعد الرقمي في الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية والشركاء الإقليميين لمواكبة التحولات المتسارعة لهذه الجريمة.

ميمونة موسى عبد الكريم

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire