منذ نيل البلاد استقلالها في 11 أغسطس 1960م، شهدت البلاد تاريخاً سياسياً اتسم بتحولات عميقة، أسهمت في تشكيل مسار الدولة ومؤسساتها. فقد طبعت الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية والمراحل الانتقالية العسكرية والإصلاحات المؤسسية هذا المسار، وترك كل نظام بصمته على مسيرة بناء الدولة، من انقارتا تومبالباي، أول رئيس للجمهورية، إلى مشير تشاد محمد إدريس ديبي إتنو، رئيس الجمهورية الحالي.

ولفهم هذا التطور بصورة أفضل، أجرى فريق من صحفية إنفو حواراً مع الدكتور سالي بكاري، أستاذ التاريخ والباحث والمسؤول عن مركز الدراسات والبحوث في الساحل (CERS)، الذي يستعرض أبرز مراحل التاريخ السياسي للبلاد، ويقدم تحليله للتحديات التي لا تزال تؤثر في إدارة شؤون البلاد. ويرى المؤرخ أن عدم الاستقرار السياسي يُشكل الخيط الناظم الرئيسي في تاريخ البلاد، غير أن هذه الظاهرة لم تبدأ مع الاستقلال أو مع نظام انقارتا تومبالباي.
ويقول: “إذا تناولنا المسألة من منظور تاريخي، فإن عدم الاستقرار لا يعود إلى عهد انقارتا تومبالباي، بل كان موجوداً منذ عهد الممالك. ولنأخذ مثال مملكة كانم التي تمتد جذورها إلى نحو ألف عام. فقد شهدت هذه الفترة الطويلة أزمات في الخلافة، واغتيالات للحكام، وانقلابات على السلطة، بل وحتى نقل العاصمة من جيمي إلى برنو، وهي كلها مظاهر تؤكد تكرار حالة عدم الاستقرار. وقد استغرق الأمر أكثر من قرن لاستعادة قدر من الاستقرار. ومن ثم، فإن فهم النقاش السياسي الراهن يقتضي وضعه في هذا السياق التاريخي العميق، فهي حقيقة متجذرة في تاريخنا”.
وعند الاستقلال، جعل انقارتا تومبالباي، من الوحدة الوطنية وترسيخ مؤسسات الدولة وتعزيز السيادة الوطنية أبرز أولوياته. وسعى إلى بناء مؤسسات قوية للدولة الفتية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الحضور الدبلوماسي للبلاد على الساحة الدولية، غير أن هذه الطموحات اصطدمت سريعاً بتدهور المناخ السياسي.
ففي 19 يناير 1962م، أصدر الرئيس أمراً بحل جميع الأحزاب السياسية، ليصبح الحزب التقدمي التشادي (PPT) التنظيم السياسي الوحيد المسموح به. ويرى الدكتور سالي بكاري أن هذا القرار شكل أول منعطف سياسي كبير في تاريخ البلاد، قائلا «منذ ذلك الحين، دخل انقارتا تومبالباي في مواجهة مع جزء كبير من الطبقة السياسية، وليس فقط مع النخب القادمة من الشمال، وإنما أيضاً مع مسؤولين من مناطق مختلفة من البلاد. وبمرور الوقت، طغت الأزمة السياسية الداخلية على كل الجهود المبذولة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدبلوماسية، وانتهى الأمر بانقلاب عام 1975م».
وأدت الإطاحة بانقارتا تومبالباي، إلى فتح مرحلة سياسية جديدة، حيث استولى الجيش للمرة الأولى على السلطة بالقوة. ويقول المؤرخ “لم يصل انقارتا تومبالباي إلى السلطة عبر السلاح، بل جاء في سياق اتسم بالتعددية السياسية، ووجود الأحزاب والنقابات وحياة ديمقراطية حقيقية. أما بعد عام 1975م، فقد استولى العسكريون على السلطة إثر انقلاب، وهو ما شكل قطيعة كبيرة في التاريخ السياسي للبلاد”.
وعلى رأس المجلس العسكري الأعلى، حاول الجنرال فيليكس مالوم استعادة الثقة بين الدولة والسكان، وترجمت هذه الرغبة، على وجه الخصوص، في فتح مفاوضات مع الحركات المتمردة، ومن بينها الحركة التي كان يقودها حسين هبري. وكان يفترض أن تفتح اتفاقات الخرطوم عام 1978م صفحة جديدة، إلا أن المؤرخ يرى أن بنيتها المؤسسية كانت تحمل منذ البداية بذور فشلها.
ويقول: “بدلًا من وجود رئيس للجمهورية ورئيس للوزراء بصلاحيات واضحة، أوجدت الاتفاقات وضعاً تواجد فيه مركزان للسلطة في الوقت نفسه، وسرعان ما أدى هذا الغموض المؤسسي إلى توترات جديدة، ثم إلى اندلاع الحرب الأهلية”.
ويرى الدكتور سالي بكاري، أن إحدى أبرز نتائج تلك المرحلة تمثلت في ترسيخ ثقافة سياسية أصبح فيها العنف وسيلة رئيسية للوصول إلى السلطة. ويضيف “في وقت مبكر، انزلقت البلاد إلى دوامة العنف، التي ترسخت لاحقاً في العقليات، وانتهى جزء من النخبة السياسية والعسكرية إلى الاعتقاد بأن الكفاح المسلح هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى مواقع المسؤولية، ولا يزال كثيرون يعتقدون حتى اليوم أنه ينبغي امتلاك حركة تمرد حتى تكون هناك فرصة للحكم”.
وبحسب المؤرخ، فإن الصراعات السياسية لا تحركها في جوهرها اختلافات أيديولوجية أو خلافات حول البرامج السياسية ويقول “لو كان الفاعلون السياسيون مختلفين فعلاً بشأن مشاريع مجتمعية، لكان بإمكانهم التوصل إلى حلول وسط، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في مكان آخر: كل طرف يريد ممارسة السلطة”.
ويعتقد المؤرخ أن التحدي السياسي الرئيسي للبلاد لا يكمن في البحث الدائم عن التوافق، بقدر ما يكمن في القدرة على إدارة الاختلاف، وأضاف منذ انقارتا تومبالباي، مروراً بالجنرال فيليكس مالوم، وقوكوني وداي، ولول محمد شوا، وحسين هبري، وإدريس ديبي إتنو، وصولاً إلى محمد إدريس ديبي إتنو، وضعت جميع الأنظمة التوافق في صميم استراتيجيتها السياسية. غير أن هذا التوافق ظل في كثير من الأحيان سطحيا. فقد وُقعت اتفاقات ثم أُعيد النظر فيها بصورة متكررة، وأصبحت أحيانًا بمثابة هدنة أو استراحة استراتيجية أكثر منها مصالحة حقيقية”.
ويرى أن اتفاقات السلام المختلفة التي أُبرمت على مدى العقود الماضية تعكس هذه الصعوبة. ويضيف: «توقع الجماعات المتمردة اتفاقات ثم تعود إلى حمل السلاح بعد بضعة أشهر، وفي أحيان أخرى تكون الدولة نفسها هي التي لا تلتزم بتعهداتها. وهذا يكشف عن صعوبة عميقة في بناء توافق مستدام”.
وعلى مدى عقود، أقدمت الحكومات المتعاقبة على إطلاق مبادرات للمصالحة، وتنظيم حوارات سياسية، وإبرام اتفاقات سلام، من دون الوصول إلى حل مستدام، وحتى اليوم ما زالت الدولة تواصل التفاوض مع العديد من الأطراف، بما في ذلك بعض جماعات الدفاع الذاتي. وقد وصلت هذه المقاربة إلى حدودها. وينبغي للدولة أن تضطلع بشكل كامل بمسؤوليتها وسلطتها.
ويرى الدكتور سالي بكاري، أن المستقبل يمر عبر بناء نموذج سياسي تشادي خاص، يكون أكثر ملاءمة للواقع التاريخي والاجتماعي للبلاد، وإن النموذج القائم حصرياً على البحث عن التوافق لا ينجح، ومن الضروري الآن التفكير في نظام قادر على إدارة الخلافات من دون أن تؤدي هذه الخلافات بصورة تلقائية إلى العنف، ولعل ذلك يمثل أحد أبرز التحديات السياسية التي تواجه تشاد خلال السنوات المقبلة.
بدر عمر علي











Ajouter un commentaire