بعد أن أصبح شراء منزل وسط العاصمة أنجمينا أمراً شبه مستحيل بالنسبة لكثير من الأسر، بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار، اتجه السكان إلى شراء الأراضي في أطراف العاصمة انجمينا، بحثاً عن خيارات تتناسب مع قدراتهم الشرائية. غير أن هذا البديل لم يعد بمنأى عن ارتفاع الأسعار، إذ أصبح الحصول على قطعة أرض في المناطق الطرفية نفسها عملية صعبة في ظل الارتفاع المتواصل لقيمتها خلال السنوات الأخيرة.

في أحياء مثل فرشا، واوليا، وتوكرا، وكندل، وقاسي، وكليسيوم، باتت قطع الأراضي التي كانت في متناول عدد كبير من المشترين تُعرض اليوم بأسعار تتجاوز عشرات الملايين، ما جعل امتلاك قطعة أرض وبناء مسكن أكثر صعوبة بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود.
ويرتبط ارتفاع الأسعار، في جانب منه، بالتوسع العمراني والنمو السكاني، وتحسن البنية التحتية في عدد من المناطق، إلا أن التحولات التي يشهدها سوق العقارات تكشف عاملا آخر يتمثل في تنامي النظر إلى الأرض باعتبارها أصلا استثماريا، وليس مجرد مساحة مخصصة لبناء منزل.
فبعض المستثمرين يشترون قطع أراض من دون نية فورية للبناء عليها، ثم يحتفظون بها إلى حين ارتفاع قيمتها وإعادة بيعها بسعر أعلى، ومع توسع العاصمة وامتداد العمران إلى المناطق الطرفية، أخذ هذا النمط الاستثماري في الانتشار، الأمر الذي أسهم في دفع أسعار الأراضي إلى مستويات أعلى.
في هذا السياق، تؤدي المكاتب العقارية والسماسرة دوراً محورياً في سوق الأراضي، إذ تتمثل مهمتهم في الربط بين البائع والمشتري وتسهيل إجراءات المعاملات. غير أن تعدد الوسطاء في بعض الصفقات قد يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة العقار.
فعلى سبيل المثال، قد تنتقل قطعة الأرض من مالكها إلى سمسار، ثم إلى مكتب عقاري، قبل أن تصل إلى المشتري النهائي، لتضاف في كل مرحلة عمولات أو رسوم مختلفة. لذلك لا يكون السعر المعلن في بداية العملية بالضرورة هو المبلغ الذي سيدفعه المشتري في النهاية.
إلى جانب قيمة الأرض، قد يتحمل المشتري تكاليف أخرى تشمل عمولات الوسطاء، فضلاً عن رسوم مرتبطة بالبحث عن قطعة الأرض أو معاينتها، بحسب طبيعة كل معاملة. ورغم أن هذه الممارسات لا تنطبق على جميع الصفقات، فإنها تزيد من تعقيد السوق وترفع تكلفة بعض عمليات شراء الأراضي.
أما على مستوى التسويق، فقد غيّر انتشار وسائل التواصل الاجتماعي طريقة عرض الأراضي في العاصمة أنجمينا، فأصبحت المنصات مثل فيسبوك وواتساب وتيك توك، واجهات رئيسية للترويج للعقارات والتواصل مع المشترين المحتملين، الأمر الذي أتاح للبائعين والوسطاء الوصول إلى شريحة أوسع من العملاء خلال وقت قصير.
ومن ناحية أخرى، سهّل هذا التحول الرقمي عمليات البيع والترويج للعقارات، لكنه عزز في المقابل المنافسة على الأراضي الواقعة في المناطق الأكثر طلباً.
عندما تُعرض قطعة أرض بسعر مرتفع وتجد مشترياً في وقت قصير، قد يتحول السعر المحقق إلى مرجع بالنسبة إلى ملاك الأراضي المجاورة، فيعيدون بدورهم تحديد أسعارهم استناداً إلى المعاملات الجديدة.
بهذه الصورة، يمكن لسعر قطعة أرض واحدة أن يؤثر في قيمة قطع أخرى محيطة بها، خصوصاً في المناطق التي تشهد توسعاً عمرانياً أو تحسناً في الطرق والخدمات الأساسية.
أما على مستوى الأسر، تنعكس تداعيات ارتفاع أسعار الأراضي بصورة أكبر على أصحاب الدخول المحدودة، خصوصاً الموظفين الشباب والعاملين في القطاع غير الرسمي، فامتلاك قطعة أرض، يُمثل الخطوة الأولى بالنسبة إلى كثيرين بات يتطلب تخصيص جزءً أكبر من الدخل والادخار لفترة أطول.
ونتيجة لذلك، يؤجل بعض المواطنين مشاريع البناء، بينما يتجه آخرون إلى البحث عن أراض في مناطق أبعد عن مركز العاصمة، حيث لا تزال الأسعار أقل نسبياً.
لكن انتقال الطلب إلى المناطق الطرفية لا يضع حداً للارتفاع، بل قد ينقل الظاهرة تدريجياً إلى مناطق جديدة، فكلما زاد الإقبال على منطقة معينة، ارتفعت قيمة أراضيها، ما يدفع المشترين مجدداً إلى البحث عن مواقع أبعد وأقل تكلفة.
وعليه، لم تعد أزمة العقارات في أنجمينا مرتبطة بارتفاع الأسعار وحدها، بل أصبحت تعكس تحولاً أوسع في طبيعة سوق الأراضي، حيث تتداخل المضاربة والاستثمار والوساطة والطلب المتزايد في تحديد قيمة العقار.
سعاد محمد جبريل












Ajouter un commentaire