Accueil » حماية المستهلكين الماليين: البلاد مطالبة بتفعيل آلية الوساطة المصرفية
اقتصاد

حماية المستهلكين الماليين: البلاد مطالبة بتفعيل آلية الوساطة المصرفية

بعد الغابون، التي أطلقت رسميا آلية الوساطة المالية في 26 أكتوبر 2026، والكونغو، التي بدأت مؤخرا إجراءات توظيف الوسطاء الماليين، عادت قضية حماية المستهلكين للخدمات المالية إلى واجهة الاهتمام في منطقة المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا «سيماك». وفي تشاد، حيث يواجه عملاء المصارف أيضا صعوبات في تعاملاتهم مع المؤسسات المالية، أصبح تفعيل هذه الآلية على أرض الواقع ضرورة ملحة.

وكانت الغابون قد فتحت الطريق أمام دول المنطقة بإطلاق أنشطة الوساطة المالية الوطنية رسميا في 26 أكتوبر 2026 بالعاصمة ليبرفيل. وتشرف على هذه الآلية اللجنة الوطنية الاقتصادية والمالية، وتهدف إلى تسهيل التسوية الودية للنزاعات بين المؤسسات المالية وعملائها.

وتتميز هذه الآلية بأنها مجانية وسرية ومحايدة، إذ تتيح للمستخدمين وسيلة لتقديم شكاواهم وتسوية خلافاتهم دون الاضطرار في كل مرة إلى اللجوء للإجراءات القضائية. وتشمل الحالات التي يمكن للوسيط النظر فيها الاعتراض على الرسوم المصرفية، والخصومات المالية محل النزاع، والصعوبات المرتبطة بالتحويلات، فضلا عن مشكلات الدفع عبر الهاتف المحمول.

وفي السياق نفسه، أعلنت اللجنة الوطنية الاقتصادية والمالية في الكونغو، في 2 نوفمبر 2026، فتح باب الترشح لتوظيف وسيط مالي أساسي وآخر احتياطي للمؤسسات الائتمانية ومؤسسات التمويل الأصغر. وتأتي هذه الخطوة بعد نحو عامين ونصف العام من اعتماد المرسوم رقم 2024-86 الصادر في 28 فبراير 2024، الذي أقر إنشاء هذه الآلية في البلاد.

ومن المنتظر أن يتولى الوسطاء الذين سيقع عليهم الاختيار تسهيل تسوية النزاعات بين المؤسسات المالية وعملائها، مع الالتزام بمبادئ الاستقلالية والسرية.

وأمام هاتين التجربتين، يبرز التساؤل حول موقع تشاد من تفعيل الوساطة المالية. فالبلاد لا يمكنها أن تبقى خارج مسار تطور يرتبط بصورة مباشرة بحقوق المستهلكين وجودة الخدمات المصرفية. وتكشف الصعوبات التي يواجهها بعض العملاء في تعاملاتهم مع البنوك عن أهمية إرساء هذه الآلية، خاصة في ظل تكرار حالات الخصم من الحسابات دون توضيح أسبابها، والاعتراض على الرسوم المصرفية، وسحب مبالغ مالية دون تقديم تفسيرات واضحة وكافية، الأمر الذي يغذي حالة سوء الفهم بين العملاء والمؤسسات المالية.

بالنسبة إلى العميل، فإن اكتشاف اختفاء 500 أو 1000 فرنك من حسابه دون معرفة السبب ليس أمرا بسيطا أو هامشيا. فهذه المبالغ التي قد تبدو ضئيلة بالنسبة إلى المؤسسة المصرفية، تمثل أموالا حقيقية بالنسبة إلى الشخص الذي فقدها.

وتزداد صعوبة الوضع عندما لا يتلقى العميل ردا مقنعا على استفساراته الموجهة إلى المسؤول عن إدارة حسابه. إذ يواجه بعض المستخدمين نوعا من الاستهانة بشكاواهم، التي ينظر إليها أحيانا على أنها مبالغ فيها مقارنة بالقيمة المالية للمبالغ محل الاعتراض.

وفي غياب جهة مختصة قادرة على متابعة ملفاتهم وإيجاد حلول لها، يجد بعض العملاء أنفسهم مضطرين إلى تقبل هذه الخصومات، أو يتخلون عن مواصلة إجراءات تقديم الشكاوى. ويثير هذا الوضع إشكالية تتعلق بالشفافية والمسؤولية في العلاقة بين البنوك وعملائها.

فالثقة في المؤسسات المالية لا تقوم فقط على توافر الخدمات وسرعة تنفيذ العمليات، بل تعتمد أيضا على مدى استعداد هذه المؤسسات لتوضيح المعاملات التي تجرى على الحسابات، وتبرير الرسوم المفروضة، والتعامل بجدية مع شكاوى العملاء.

ومن شأن الوساطة المصرفية أن تقدم حلا لجزء من هذه الصعوبات، إذ تتيح للعميل الذي لم يحصل على استجابة مرضية بعد تقديم شكوى أولية إلى مصرفه، اللجوء إلى طرف ثالث مستقل للنظر في النزاع.

ويوفر هذا الإجراء إطارا للحوار والبحث عن حلول، بعيدا عن تكاليف الإجراءات القضائية وتعقيداتها. كما يمكن أن يسهم في الكشف عن الاختلالات المتكررة في ممارسات المؤسسات المالية، وتشجيعها على تصحيحها.

ولا تبدأ هذه الآلية من الصفر على مستوى التشريعات المشتركة في المنطقة، إذ أسند النظام رقم 03/2019/CEMAC/UMAC/CM الصادر في 12 ديسمبر 2019 إلى اللجان الوطنية الاقتصادية والمالية دورا في تنظيم الوساطة المالية داخل الدول الأعضاء الست.

كما ينص النظام رقم 01/20/CEMAC/UMAC/COBAC الصادر في 3 يوليو 2020، والمتعلق بحماية المستهلكين للمنتجات والخدمات المصرفية، على هذه الآلية.

وفي يوليو 2026، دعت اللجنة الوزارية للاتحاد النقدي لوسط أفريقيا الدول الأعضاء إلى تسريع اعتماد النصوص القانونية الوطنية، والعمل على تفعيل هذه الآليات بصورة فعلية.

وبالنسبة إلى تشاد، يتمثل التحدي المطروح حاليا في الانتقال من الإطار التشريعي الإقليمي إلى التطبيق العملي. ومن هذا المنطلق، سيكون من المهم أن توضح اللجنة الوطنية الاقتصادية والمالية والسلطات النقدية للرأي العام مستوى تقدم هذا المسار، والإجراءات التي اتخذت بالفعل. وفي حال عدم الشروع في أي خطوات تنفيذية حتى الآن، ينبغي إدراج تفعيل الوساطة المالية ضمن أولويات حماية المستهلكين للخدمات المالية.

وتثبت التجربة الغابونية إمكانية تحويل هذه الآلية إلى واقع عملي، فيما تعكس الخطوة الكونغولية أهمية استكمال المراحل الإدارية اللازمة للانتقال من اعتماد النصوص القانونية إلى تنفيذها.

وتمتلك تشاد إطارا تشريعيا إقليميا يمكن الاستناد إليه في هذا المجال، وما تحتاج إليه الآن هو توفير الوسائل التي تمكن المستهلكين من إيصال شكاواهم والحصول على إجابات واضحة بشأنها.

فالثقة في البنوك لا تُفرض بقرار، بل تُبنى أيضا من خلال الطريقة التي تتعامل بها هذه المؤسسات مع مشكلات عملائها وشكاواهم.

سعاد محمد جبريل

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire