عقب الزيارة المفاجئة التي أجراها رئيس الجمهورية مشير تشاد محمد إدريس ديبي إتنو، في 30 سبتمبر 2026م، إلى مدرسة براعم الجيش وثانوية فيليكس إيبوي، دعا جميع التشاديين إلى المساهمة في إعادة تأهيل المدارس القديمة، ولا يعلم أحد على وجه الدقة عدد المدارس التي بلغت مرحلة متقدمة من التدهور بفعل الإهمال، وكأن هذه المؤسسات التعليمية كانت تنتظر هذه الدعوة، حتى سارعت المؤسسات العامة والشركات والتنظيمات السياسية إلى التحرك، متوجهةً إلى المدارس التي تلقت فيها تعليمها، للمساهمة في ترميمها وتأهيلها، من خلال توفير أدوات البناء والمساهمة بأكياس الإسمنت والطلاء والطاولات والمقاعد المدرسية، وللوهلة الأولى، لا يسع المرء إلا أن يثمن هذه المبادرات، التي تعكس أثر الدعوة الرئاسية والاستجابة لها، وتؤكد الاهتمام بأوضاع المواطنين.
لكن، بعيداً عن الإشادة بهذه المبادرات، تفرض جملة من التساؤلات نفسها بإلحاح: لماذا كان لا بد من انتظار تدخل رئيس الجمهورية حتى تتحرك هذه الجهات؟ ألم يلاحظ المسؤولون عن قطاع التعليم مظاهر القصور وحجم الأضرار التي تعاني منها المدارس؟ ألم يقفوا على الظروف الصعبة التي يعيشها التلاميذ منذ سنوات؟ وما جدوى وجودهم في مواقع المسؤولية إذا كانوا لا يبادرون إلى التغيير إلا بتوجيه من أعلى هرم الدولة؟ ثم أين تذهب المليارات التي يصادق عليها البرلمان سنوياً لصالح قطاع التعليم؟
إن العقلية القائمة على انتظار التوجيهات من أعلى المستويات في كل صغيرة وكبيرة يجب أن تتغير، لما تلحقه من ضرر بصورة الإدارة وما تسببه من تعطيل لأداء المؤسسات، فلا يُمكن لأي بلد أن يحقق تحولاً اجتماعياً واقتصادياً حقيقياً ما دامت مؤسساته تنتظر الإشارة من القيادة العليا بدلاً من المبادرة للقيام بمسؤولياتها، فالتعليم ليس قطاعاً كبقية القطاعات، بل يُمثل ركيزة أساسية في بناء مستقبل البلاد وتحقيق النهضة المنشودة، وقد قال نيلسون مانديلا: “التعليم أقوى سلاح يمكن استخدامه لتغيير العالم”. غير أن عواقب إهمال هذا السلاح أو تعطيل دوره قد تكون وخيمة، إذ لا يمكن للتعليم أن يؤدي رسالته في ظل غياب أبسط مقوماته.
ولعل هذا الواقع يفسر جانباً من تدني النتائج في بعض الامتحانات واستمرار ظاهرة تراجع المستوى التعليمي. فكيف يمكن تحقيق التميز والتفوق بينما يدرس التلاميذ في ظروف غير ملائمة، من دون مرافق صحية أو مياه أو مكتبات أو مختبرات؟ تعاني المدارس التشادية نقصاً في البنية التحتية والوسائل التعليمية، إلى جانب قصور اهتمام بعض المسؤولين المكلفين بإدارتها وتسيير شؤونها اليومية. ولا يمكن مطالبة التلاميذ بتحقيق نتائج متميزة ما لم تتوافر لهم بيئة تعليمية مناسبة تساعدهم على التعلم والتحصيل.
لقد آن الأوان للتعامل مع التعليم باعتباره أولوية دائمة، لا قضية تحظى بالاهتمام بفعل انفعال عابر أو مبادرة مؤقتة. فهذا القطاع يحتاج إلى إصلاحات متواصلة، وتطوير أساليب الإدارة، وتشجيع الابتكار، وإخضاع أداء المسؤولين لتقييم جاد وموضوعي بعيداً عن المجاملة والتهاون. كما يتطلب تحسيناً ملموساً لظروف عمل المعلمين وأوضاعهم المعيشية، وتوفير بيئة تعليمية ملائمة للتلاميذ، بما يضمن لهم فرصاً أفضل للتحصيل العلمي.
إن الدعوة إلى إعادة تأهيل المدارس ينبغي أن تدفع الإدارة التعليمية إلى تحمل مسؤولياتها والمبادرة إلى معالجة الاختلالات القائمة، بدلاً من انتظار التوجيهات، فالنهوض بالتعليم مسؤولية مؤسسية مستمرة، لا استجابة ظرفية لمبادرة رئاسية، ومستقبل البلاد يبدأ من مدارسها، وإصلاحها مسؤولية لا تحتمل التأجيل.
التحرير










Ajouter un commentaire