Accueil » الافتتاحية: من أجل إدارة نزيهة
الافتتاحية

الافتتاحية: من أجل إدارة نزيهة

في سياق لا يزال فيه الفساد يُشكل أحد أبرز العوائق أمام التنمية، ويقوّض طموحات تحقيق النهضة، لم يعد بالإمكان النظر إلى النزاهة في الشأن العام باعتبارها مجرد مثُل عليا، بل ينبغي أن تصبح مطلباً من متطلبات الحوكمة والمسؤولية الجماعية، وفي تشاد، يُشكل الأمر رقم(٠٠٣/رج/٢٠١٦م)، المتعلق بالتصريح بالممتلكات أحد أهم الأدوات القانونية الرامية إلى تعزيز الشفافية واستعادة الثقة بين الحكام والمحكومين، وتكمن أهميته أولاً في طابعه الوقائي، إذ يُلزم المسؤولين السياسيين والإداريين بالتصريح بممتلكاتهم عند توليهم مهامهم وعند انتهاء وظائفهم، مكرّساً بذلك مبدأً أساسياً هو مبدأ المساءلة.

ويجب أن يكون بمقدور المسؤول العام تفسير تطور ممتلكاته، فإذا ظهر إثراء مفاجئ لا توجد له صلة واضحة بالدخل المتحصل عليه، فينبغي أن يكون عرضة للتحقق والتدقيق، ويذكّر هذا الشرط بأن الوظيفة العامة ليست شركة خاصة ولا مصدراً للربح الشخصي، كما يوفر التصريح بالممتلكات أداة للتتبع، إذ يُتيح تحديد الوضعية المرجعية في بداية الولاية ومقارنتها بالوضعية المسجلة عند نهايتها، ويمكن أن يشكل أي فارق كبير وغير مبرر عنصراً من شأنه أن يؤدي إلى إجراء رقابة أو فتح تحقيق، ويسهم هذا النظام في استقامة الحياة العامة وتعزيز مصداقية الدولة لدى المواطنين وشركائها.
غير أن أي أمر، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يحقق آثاراً فعلية إلا إذا طُبّق بصورة حقيقية، فالقانون الذي لا يُنفّذ يظل مجرد نص بلا أثر واقعي، ومن ثم، يكمن التحدي الحقيقي في التحقق من التصريحات، فما جدوى التصريح بالممتلكات إذا لم تُفحص المعلومات المقدمة أو تُطابق مع البيانات الجبائية والمصرفية والعقارية المتاحة؟
وتكتسب مسألة العقوبات أهمية مماثلة، فالالتزام الذي لا تترتب على انتهاكه أي عواقب يخاطر بفقدان طابعه الرادع، فعندما يمكن للاختلاس أن يدرّ أرباحاً طائلة، بينما يظل خطر التعرض للعقوبة ضعيفاً، تفقد القاعدة حتماً قوتها الردعية.
ويجب أيضاً الاعتراف بأن الفساد الذي يضعف سياسات التنمية، فهو يتغذى من الإفلات من العقاب، والمحسوبية، والاستحواذ على الصفقات العامة، وتضارب المصالح، وانعدام الشفافية في إدارة الموارد العامة، ومن ثم، لا يمكن للتصريح بالممتلكات وحده أن يقضي على هذه الممارسات.
بل يجب أن يندرج ضمن استراتيجية أوسع نطاقاً تشمل قضاءً مستقلاً، وصفقات عامة شفافة، وآليات رقابة فعالة، وحماية المبلّغين، وقبل كل شيء، إرادة سياسية قادرة على فرض احترام القواعد، بما في ذلك على أعلى مستوى في الدولة.
وفي نهاية المطاف، يُمكن أن يكون أمر العام ٢٠١٦م، مؤشراً بالغ الأهمية على حالة النزاهة العامة، لكن مقياس الحرارة لا يعالج الحمى، ولذلك، لا بد من الانتقال من التصريح إلى التحقق، ومن التحقق إلى العقوبة، ومن العقوبة إلى الوقاية، إن التطبيق الفعلي لهذا الأمر لن يقضي على الفساد، لكنه سيضمن توفير أرضية مواتية لذلك، إذ لا يمكن لبلد يطمح إلى تحقيق النهضة، أن يسمح بنهب موارده على حساب مستقبله.

التحرير

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire