لم تعد شاشة الهاتف مجرد نافذة على العالم، بل تحولت بالنسبة إلى كثير من الشباب إلى فضاء يعيد تشكيل السلوك واللغة وحتى النظرة إلى الخصوصية، وبمجرد تمرير الإصبع على الشاشة، تتدفق خلال ثوانٍ مقاطع لشباب من صانعي المحتوى يتناولون أمام الكاميرا مواضيع شديدة الخصوصية، كانت إلى وقت قريب من المحظورات التي لا تُناقش إلا في نطاق ضيق، وفي البلاد يثير هذا الانتشار المتسارع لمحتويات توصف بالاستفزازية أو غير الملائمة تساؤلات متزايدة حول تأثير الفضاء الرقمي على القيم الاجتماعية والتربوية، ولا سيما في أوساط الأطفال والمراهقين.

فقد أصبحت منصات مثل فيسبوك وإنستغرام، وتيك توك، مسرحاً لتحول لافت في أنماط التعبير والتواصل، وبينما أتاحت هذه المنصات للشباب فرصاً واسعة للتعبير عن آرائهم وإبراز مواهبهم والتواصل مع الآخرين، فإنها فتحت في المقابل المجال أمام محتويات تتجاوز أحياناً حدود الخصوصية والآداب العامة.
ومنذ سنوات قليلة، كان الحديث العلني عن الحياة الخاصة والمواضيع الحميمة أمراً غير مألوف في المجتمع التشادي، الذي ارتبطت ثقافته الاجتماعية بدرجة كبيرة بالتحفظ واحترام الخصوصية، غير أن المشهد تغير مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي، فقد انتقلت موضوعات كانت تُناقش داخل الأسرة أو في إطار النصائح الخاصة التي يقدمها الآباء وكبار السن، إلى فضاء مفتوح يشاهده آلاف المستخدمين.
وتتراوح هذه المحتويات بين تجارب شخصية ونقاشات تفاعلية، وصولاً إلى منشورات ومقاطع تتسم أحياناً بالمبالغة والاستعراض والإيحاءات، سعياً وراء زيادة عدد المتابعين وحصد الإعجابات وتحقيق عائدات مالية. ويجد بعض صانعي المحتوى أنفسهم أمام إغراء المنافسة على المشاهدات، ما يدفعهم إلى البحث المستمر عن محتوى أكثر إثارة لجذب انتباه الجمهور.
وتسهم خوارزميات المنصات الرقمية في تسريع انتشار هذه الظاهرة، إذ تدفع آليات الاقتراح الآلي بالمستخدم إلى مشاهدة محتويات مشابهة لما سبق أن تفاعل معه، بما قد يؤدي إلى تكرار التعرض للمحتوى نفسه وتوسيع دائرة انتشاره. كما توفر تطبيقات المراسلة الخاصة مجالاً لتداول مواد يصعب أحياناً إخضاعها للمتابعة الأسرية، وهو ما يزيد من مخاطر وصول محتويات غير مناسبة إلى الفئات الأصغر سناً.
وتتضاعف المخاوف عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين، الذين يقضون ساعات طويلة أمام شاشات الهواتف، وقد يفتقرون إلى الوعي الكافي للتمييز بين المحتوى المفيد والمحتوى الضار أو المضلل، كما أن غياب المتابعة الأسرية المنتظمة يجعل بعضهم أكثر عرضة لتبني سلوكيات أو معايير افتراضية لا تتوافق بالضرورة مع بيئتهم الاجتماعية والتربوية.
في تشاد، أصبح الهاتف الذكي جزءًا من الحياة اليومية لعدد متزايد من الشباب، غير أن هذا التحول الرقمي لا يرافقه دائماً وعي كافٍ بكيفية الاستخدام المسؤول للمنصات، ويؤدي الانتقال السريع من ثقافة تقوم على التحفظ في تناول بعض المواضيع إلى فضاء رقمي يقوم على الانفتاح والاستعراض، إلى خلق فجوة متزايدة بين الأجيال داخل الأسرة.
ويجد العديد من الآباء أنفسهم أمام تحدٍ جديد، يتمثل في مواكبة أبنائهم في عالم رقمي تتطور أدواته ومنصاته بوتيرة أسرع من قدرتهم على متابعته، ولا تقتصر تداعيات الظاهرة على الأسرة، بل تمتد أيضاً إلى المؤسسات التعليمية، حيث ظهرت في بعض الحالات مقاطع مصورة لتلاميذ يمكن التعرف عليهم، وهي مقاطع تتعارض مع الأنظمة الداخلية للمؤسسات، الأمر الذي قد يدفع المؤسسات إلى اتخاذ إجراءات تأديبية.
وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال أساسي حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية المجتمع من المحتويات الضارة وضمان حرية التعبير والاستفادة من الإمكانات الإيجابية التي توفرها التكنولوجيا. فالحل لا يبدو في حجب الفضاء الرقمي، أو الحد من استخدامه، بقدر ما يكمن في تعزيز التربية الرقمية وترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول.
وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات إلى تعزيز دور المؤسسات المعنية بالرقابة والتوعية، وفي مقدمتها الوكالة الوطنية لأمن المعلومات والتصديق الإلكتروني (ANCISE) والسلطة العليا للإعلام والسمعي البصري (HAMA)، من خلال تكثيف حملات التوعية ومواكبة التحولات التي يشهدها الفضاء السيبراني.
كما تبرز الحاجة إلى إشراك الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني في جهود التوعية، حتى لا تظل حماية الأطفال والمراهقين مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في إبعاد الشباب عن العالم الرقمي، وإنما في تمكينهم من أدوات الوعي التي تساعدهم على استخدامه دون أن يتحول إلى مصدر لاضطراب القيم، أو تهديد للسلامة النفسية والاجتماعية.
ميمونة موسى عبد الكريم









Ajouter un commentaire