في وقت تتجه فيه البلاد إلى تعزيز مسارها التنموي ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يبرز ملف تعليم المرأة باعتباره أحد أهم المفاتيح الاستراتيجية لتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة. فتعليم الفتاة لم يعد مجرد حق أساسي تكفله القوانين، بل أصبح عاملاً حاسماً في بناء رأس المال البشري، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، ودفع عجلة الاقتصاد الوطني..

تشهد البلاد خلال السنوات الأخيرة، تحسنا نسبيا في مؤشرات التحاق الفتيات بالتعليم، لا سيما في المدن الكبرى، غير أن الفجوة ما تزال واضحة في المناطق الريفية، حيث تتقاطع عوامل الفقر والزواج المبكر، وضعف البنية التحتية التعليمية، مع بعض الموروثات الاجتماعية التي تحد من استمرار الفتيات في مسارهن الدراسي، وأن استمرار هذه التحديات يبقي نصف الطاقات البشرية خارج دائرة التأثير الفعلي في عملية التنمية.
من الناحية الاقتصادية، تعليم المرأة واستثمار في الاقتصاد الوطني ، تمثل المرأة المتعلمة عنصراً فاعلا في سوق العمل، سواء عبر الانخراط في الوظائف النظامية، أو من خلال المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال، حيث يشكل القطاع غير المنظم والزراعة والتجارة التقليدية جزءاً مهما من النشاط الاقتصادي، يمكن للمرأة المتعلمة أن تحدث تحولاً نوعيا من خلال إدخال أساليب حديثة في الإدارة والإنتاج والتسويق.
كما أن مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي تسهم في رفع مستوى دخل الأسرة، وتقليل معدلات الفقر، وتعزيز الاستقرار المالي، وأن كل سنة إضافية من تعليم الفتاة تزيد من فرصها في الحصول على عمل لائق، وتحسن قدرتها على اتخاذ قرارات اقتصادية رشيدة داخل الأسرة، لا يقتصر تأثير تعليم المرأة على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي والصحي، فالمرأة المتعلمة أكثر وعياً بقضايا الصحة العامة والتغذية وتنظيم الأسرة، وأهمية التعليم لأبنائها وبناتها، هذا الوعي ينعكس مباشرة على تحسين المؤشرات الصحية وتقليص معدلات وفيات الأطفال، فضلا عن الحد من ظواهر اجتماعية سلبية مثل الزواج المبكر وتسرب الأطفال من المدارس، وأن الاستثمار في تعليم المرأة يخلق دورة تنموية متكاملة، تبدأ بتمكين الأم وتمتد إلى الأبناء، ثم إلى المجتمع بأكمله، ما يعزز فرص التنمية المستدامة على المدى الطويل.
في السنوات الأخيرة بروز عدد متزايد من النساء التشاديات المتعلمات في مواقع المسؤولية داخل مؤسسات الدولة، وقطاعات التعليم والصحة، ومنظمات المجتمع المدني، وأن تعزيز مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار يساهم في صياغة سياسات أكثر شمولا، تراعي احتياجات الفئات الهشة، وتدعم مبدأ تكافؤ الفرص، ومع ذلك ما تزال نسبة تمثيل النساء في المناصب القيادية دون الطموح، ما يستدعي تبني سياسات داعمة لتمكين المرأة سياسياً وإداريا، وتوفير بيئة قانونية ومؤسسية تضمن تكافؤ الفرص، رغم التقدم المحرز لا تزال تشاد تواجه تحديات تتطلب معالجات عميقة، من بينها ضعف البنية التحتية التعليمية في بعض المناطق، وقلة الكوادر المؤهلة، وارتفاع نسب الأمية بين النساء في الأرياف، كما أن الظروف الاقتصادية الصعبة قد تدفع بعض الأسر إلى تفضيل تعليم الذكور على الإناث، وفي المقابل تمثل التحولات المجتمع المتسارعة، وتزايد الوعي بأهمية تعليم الفتاة، إضافة إلى دعم الشركاء الدوليين لبرامج التعليم، فرصاً حقيقية لتعزيز دور المرأة في التنمية.
أن المرأة المتعلمة في تشاد ليست عنصراً ثانويا في معادلة التنمية، بل هي أحد أعمدتها الرئيسية، فتعليمها يعني توسيع قاعدة الإنتاج، وتحسين نوعية الحياة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، ومن ثم فإن أي استراتيجية تنموية جادة لا يمكن أن تحقق أهدافها دون الاستثمار المكثف في تعليم الفتاة وتمكين المرأة، باعتبارها الطريق الأقصر نحو مستقبل أكثر ازدهاراً وعدالة في تشاد.
عبد العزيز عبيد يعقوب












Ajouter un commentaire