Accueil » الوطنية: تشاد التي نريدها ممكنة
وطنية

الوطنية: تشاد التي نريدها ممكنة

إن بناء دولة قوية ومزدهرة، يرتكز أساساً على مدى ارتباط مواطنيها بوطنهم، واحترامهم للقيم الجمهورية، وإيمانهم بضرورة العمل المشترك من أجل تحقيق التنمية وتعزيز الوحدة الوطنية. غير أن بعض السلوكيات والممارسات السلبية الصادرة عن أفراد أو مسؤولين بمختلف مواقعهم تسهم في إضعاف الروح الوطنية، وتقويض المصلحة العامة، مما ينعكس سلبا على مسيرة التنمية والاستقرار.

والوطنية ليست مجرد شعور بالانتماء، أو كلمات تُردد في المناسبات الرسمية، بل هي سلوك يومي يتجسد في احترام القوانين والمؤسسات والمحافظة على الممتلكات العامة والمساهمة الفاعلة في تنمية الوطن. كما تتجلى في محاربة الفساد والمحافظة على المال العام وأداء الواجبات المدنية واحترام قيم العيش المشترك، والدفاع عن وحدة البلاد ومصالحها العليا وإرساء العدالة بإعطاء كل ذي حق حقه.

غير أن الواقع يكشف عن بعض الممارسات التي تتعارض مع هذه القيم. ومن أبرزها الاعتداء على الممتلكات العامة أو سوء استخدامها، رغم أنها أُنشئت لخدمة جميع المواطنين. فالمدارس والمراكز الصحية والطرق والتجهيزات العمومية تتعرض أحيانًا للإهمال أو التخريب، وهو ما يمثل خسارة جماعية تمس الوطن بأسره وتعيق جهود التنمية.

كما يشكل تراجع احترام القيم الجمهورية تحديا حقيقيا أمام بناء دولة المؤسسات. فمبادئ العدالة والمساواة والمواطنة واحترام القانون تُهمَّش أحيانا لصالح اعتبارات شخصية أو عائلية أو جهوية أو سياسية. وعندما تتقدم الولاءات الضيقة على الانتماء الوطني، تصبح الوحدة الوطنية معرضة للخطر، في حين أن الجمهورية تقوم على المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز بسبب الأصل أو الانتماء أو الوضع الاجتماعي.

ومن الظواهر المقلقة كذلك تنامي خطابات الكراهية والانقسام، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر أحيانا الإساءات والاتهامات غير المستندة إلى حقائق، إلى جانب الخطابات التي تؤجج التوترات بين مكونات المجتمع. كما أن النقد، رغم أهميته، يفقد قيمته عندما يقتصر على التشكيك والتجريح دون أن يصاحبه طرح حلول واقعية ومقترحات بناءة.

ويتجلى ضعف الحس الوطني أيضا في تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة، من خلال ممارسات مثل المحسوبية والجهوية، أو استغلال النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الصالح العام. وتؤدي هذه السلوكيات إلى إضعاف الثقة في المؤسسات، وإعاقة التنمية، وحرمان العديد من الكفاءات الوطنية من فرص الإسهام في خدمة البلاد.

ولمواجهة هذه التحديات، يظل التعليم ركيزة أساسية لترسيخ قيم المواطنة والوطنية. فالأسرة والمدرسة والجامعة مطالبة جميعها بغرس قيم المسؤولية واحترام القانون والتضامن وحب الوطن في نفوس الأجيال الصاعدة. كما يقع على عاتق وسائل الإعلام دور مهم في نشر الوعي وتعزيز السلوكيات الإيجابية وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش.

كما  ينبغي للمؤسسات الحكومية أن تقدم نموذجا يحتذى به من خلال اعتماد الشفافية والعدالة والنزاهة في إدارة الشأن العام. فالوطنية لا يمكن أن تنمو في بيئة يسودها الظلم أو المحاباة أو الإفلات من العقاب، بل تزدهر عندما يشعر المواطن بأن حقوقه مصانة وأن الجميع متساوون أمام القانون.

إن تشاد التي ننشدها لا يمكن أن تتحقق إلا بتكاتف جميع أبنائها حول القيم الجمهورية والمصلحة الوطنية العليا. فالوطنية ليست شعارا يُرفع في المناسبات، بل مسؤولية جماعية وسلوك يومي يترجم في احترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، وتغليب مصلحة الوطن على المصالح الضيقة والخلافات العابرة.

وبهذا الالتزام المشترك وحده يمكن لتشاد أن تبني مستقبلا أكثر استقرارا وازدهارا وتماسكا، يضمن التنمية والكرامة لجميع أبنائها.

ميمونة موسى عبدالكريم

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire