في الحادي والثلاثين من يوليو من كل عام، تحيي القارة الإفريقية اليوم الدولي للمرأة الإفريقية، وهي مناسبة تتجدد معها الخطابات والبيانات الرسمية التي تشيد بدور المرأة في بناء الأسرة، ودفع عجلة التنمية الاقتصاد وتعزيز تماسك المجتمع. غير أن هذه المناسبة، في كثير من الأحيان، تنتهي بانتهاء الاحتفالات، بينما تبقى التحديات التي تواجهها النساء قائمة، وتستمر الانتهاكات التي تحد من حقوقهن وفرصهن في المشاركة الكاملة في التنمية.

ولم يكن اليوم الدولي للمرأة الإفريقية، منذ انطلاقه عام 1962م، مجرد مناسبة رمزية أو احتفال بروتوكولي، بل جاء ثمرة رؤية حملتها رائدات الحركة النسائية الإفريقية اللواتي اجتمعن في مدينة دار السلام بتنزانيا، واضعن مشروعاً تحررياً طموحاً يقوم على الإيمان بأن تحرير المرأة وتمكينها يمثلان شرطاً أساسياً لتحرير القارة الإفريقية وتحقيق نهضتها. وبعد مرور ثلاثة وستين عاماً على ذلك الإعلان، لا يزال جانب كبير من تلك الرؤية ينتظر الترجمة الكاملة إلى واقع ملموس.
وفي تشاد، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالمرأة تمثل ركيزة أساسية في الاقتصاد الحقيقي؛ فهي تعمل في الزراعة، وتنشط في الأسواق، وتدير جانبًا واسعاً من التجارة غير النظامية، وتتحمل مسؤولية إعالة الأسر والحفاظ على استقرار المجتمعات المحلية. ومع ذلك، فإن حضورها يتراجع بصورة ملحوظة عندما يتعلق الأمر بالحصول على السلطة الاقتصادية أو المشاركة في صنع القرار السياسي، إذ لا تزال تواجه قيودًا تحد من وصولها إلى مواقع التأثير.
ورغم التحسن النسبي الذي شهدته بعض المؤشرات خلال السنوات الأخيرة، فإن التحديات الأساسية ما زالت قائمة. فلا تزال النساء يواجهن صعوبات في الحصول على الأراضي الزراعية والتمويل والائتمان، كما لا يزال تمثيلهن في مواقع صنع القرار دون المستوى المطلوب، إضافة إلى استمرار ظواهر زواج القاصرات والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وارتفاع معدلات انقطاع الفتيات عن التعليم، وهي عوامل تحرم البلاد من الاستفادة الكاملة من نصف مواردها البشرية.
ولا يمكن إنكار أن خطوات إيجابية قد تحققت خلال السنوات الماضية، سواء من خلال تطوير بعض الأطر القانونية أو إسناد مسؤوليات أكبر للنساء داخل عدد من المؤسسات، فضلاً عن البرامج الحكومية ومبادرات منظمات المجتمع المدني الرامية إلى تعزيز مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي. غير أن هذه المكاسب، على أهميتها، لا تزال محدودة الأثر، ولم تنجح بعد في إحداث التحول الهيكلي الذي تفرضه متطلبات التنمية.
ولم تعد قضية تمكين المرأة أو حماية حقوقها قضية تخص النساء وحدهن، بل أصبحت قضية تنموية ووطنية تمس مستقبل الدولة بأكملها. فلا يمكن لأي بلد أن يحقق نمواً اقتصادياً مستداماً وهو يعطل مساهمة نصف طاقاته البشرية. وقد أثبتت التجارب الإفريقية والدولية أن الاستثمار في تعليم الفتيات، ودعم ريادة الأعمال النسائية، وتوسيع مشاركة النساء في مواقع اتخاذ القرار، ينعكس بصورة مباشرة على النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وتحسين مؤشرات التنمية. ومن هذا المنطلق، فإن تمكين المرأة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره امتيازًا أو منحة، وإنما باعتباره استثماراً استراتيجياً يخدم المصلحة الوطنية.
وفي الوقت الذي تتطلع فيه تشاد إلى تنويع اقتصادها، وتحديث قطاعها الزراعي، وتعظيم الاستفادة من مواردها المعدنية، وتعزيز التصنيع، يفرض الواقع سؤالاً جوهرياً: ما الموقع الذي ستشغله المرأة داخل هذا المشروع الوطني؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل النساء، وإنما سترسم أيضاً ملامح التنمية التي يسعى إليها البلد خلال السنوات المقبلة.
ومن هنا، ينبغي أن يشكل الاحتفاء باليوم الدولي للمرأة الإفريقية لعام 2026م، محطة حقيقية لإعادة تقييم السياسات العامة، والانتقال من الالتزامات النظرية إلى القرارات العملية التي تضمن تعليمًا جيداً لكل فتاة، وتوسع فرص النساء في الحصول على التمويل، وتعزز الحماية القانونية لحقوقهن، وتكافح جميع أشكال العنف ضدهن، وتفتح أمامهن المجال للمشاركة الكاملة في مواقع القيادة وصنع القرار.












Ajouter un commentaire