في العشرين من فبراير من كل عام، تحتفل المجموعة الدولية، باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية. غير أن هذه المناسبة لا ينبغي أن تبقى في حدود رمزيتها، بل يطرح سؤال جوهري على المجتمعات كافة: كيف ننظم العيش المشترك داخل أوطاننا؟ فالعدالة الاجتماعية ليست شعاراً يُردد في المناسبات، ولا عبارة محفوظة في نصوص الاتفاقيات الدولية، بل هي قبل كل شيء التزام أخلاقي جماعي. إنها مسؤولية جماعية لضمان مكانة لائقة، ومعترف بها ومحمية لكل فرد داخل الوطن.

العدالة الاجتماعية تعني المساواة في توزيع الثروات والفرص والأعباء العامة. ويعني أيضاً التحقق مما إذا كانت موارد الدولة تعود بالنفع على جميع مواطنيها، أم أنها تظل رهينة امتيازات غير مبررة، كما يقتضي النظر في مدى تكافؤ فرص الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والعمل والأمن، بعيداً عن منطق الإقصاء أو التمييز. فمكانة الأمم لا تُقاس فقط بحجم أدائها الاقتصادي، بل بقدرتها على تضييق الفجوات الاجتماعية والحد من التهميش.
وفي تشاد، تكتسب هذه المسألة بعداً خاصاً، إذ يعبر عدد من المواطنين عن قلق متنامٍ، وأحياناً عن خشية صامتة، إزاء ما يُنظر إليه على أنه مظاهر لعدم الإنصاف أو تفاوت في المعاملة. غير أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تزدهر في مناخ تسوده الريبة، بل يجب أن تقوم على الثقة، وأن يشعر كل مواطن بأنه محمي بمؤسسات دولته، معترف بحقوقه، مصون الكرامة. فالمواطنة لا تختزل في امتلاك وثيقة رسمية، بل في الإيمان بأن القاعدة القانونية تسري على الجميع دون استثناء أو امتياز.
وفي هذا الإطار، تبرز الحوكمة الرشيدة كعنصر حاسم. فعندما تمارس الدولة سلطتها بصرامة وعدالة وشفافية، فإنها تطمئن المجتمع وتنظم المجال العام، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، وتؤكد باستمرار أن لا أحد فوق القانون، فالسلطة المشروعة لا تعني التعسف، بل تتجسد في مؤسسات قوية، مسؤولة وخاضعة للمساءلة. ولا يمكن للعدالة الاجتماعية أن تترسخ إلا في ظل دولة قادرة على إنفاذ القواعد المشتركة وضمان إدارة منصفة وشفافة وفعالة للموارد العامة.
تمثل هذه المناسبة الدولية دعوة لتجاوز الخطاب إلى الفعل، ومراجعة الممارسات اليومية. فالعدالة الاجتماعية تتجسد في الخيارات المالية، وفي جودة الخدمات العمومية، وفي مكافحة التجاوزات والفساد، وفي ترسيخ ثقافة الإنصاف. وهي تُبنى بقرارات شجاعة وإجراءات ملموسة تكرس أولوية المصلحة العامة. فالدولة القوية ليست التي تكبت التذمر، بل التي تحول دونه بإرساء العدالة والشفافية. وجعل العدالة الاجتماعية أولوية دائمة هو في جوهره اختيار للاستقرار، وتعزيز للتلاحم الوطني، وترسيخ لعقد الثقة بين الدولة والمواطن. إنه، في نهاية المطاف، رهان على مستقبل مشترك.
التحرير









Ajouter un commentaire