Accueil » الافتتاحية : الحوار، وسيلة لا غنى عنها
الافتتاحية

الافتتاحية : الحوار، وسيلة لا غنى عنها

الافتتاحية : الحوار، وسيلة لا غنى عنها

تشهد الساحة الاجتماعية في البلاد، منذ فترة تنامياً في حركات الإضراب عن العمل، بوصفها تعبيراً عن مطالب فئوية ومهنية. ورغم ما يترتب على هذه النشاطات من تعطيل، بل أحياناً شلل في سير أنشطة المرافق العامة للدولة، فإن مآلاتها غالباً ما تجد طريقها إلى الحل عبر بوابة الحوار الاجتماعي.

الحوار، وسيلة لا غنى عنها

في دولة القانون، يظل الحوار الاجتماعي الأداة الأكثر فعالية، إن لم تكن الأجدر، لتقريب وجهات النظر وتسوية النزاعات الاجتماعية، أياً كان مستواها. فهو يؤسس لمناخ من الثقة بين الأطراف، بعيداً عن الضغوط، ويكرس سلماً اجتماعياً لا غالب فيه ولا مغلوب. إذ تتقدم المصلحة العليا للمؤسسة أو الهيئة الجامعة على ما سواها، وتُذلل الخلافات بروح المسؤولية المشتركة.
غير أن الواقع يكشف في أحيان كثيرة، عن تصور الأطراف لبعضهم بعضاً كخصوم، مع تمسك بمواقف متصلبة ورفضٍ لأي تنازل. والحال أن الحوار الاجتماعي لا يقوم على منطق المواجهة، بل على روح الشراكة. فغاية جميع المعنيين ينبغي أن تنحصر في بلوغ حلّ توافقي مقبول من الجميع.
وللأسف، بات الإضراب يميل إلى التحول إلى وسيلة ضغط شبه منهجية، وأحياناً على حساب الحوار ذاته، في حين يفترض أن يظل خياراً أخيراً لا يُلجأ إليه إلا عند استنفاد السبل. فإذا أفضى إلى إبطاء مسار المجتمع أو تعطيل مصالحه، تعين استباقه وتأطيره بروح من المسؤولية. وفي القطاعات الحيوية على وجه الخصوص، يترك أي توقف عن العمل، مهما كانت طبيعته، آثاراً مباشرة على المواطنين. كما أن تعويد الأجيال الصاعدة على مشهد الصراع الدائم قد يرسخ لديها تصوراً متوتراً للعلاقات الاجتماعية، بينما هي أحوج إلى نماذج تُحتذى في حل الخلافات عبر التشاور لا عبر ليّ الأذرع.
ولتفادي بلوغ مثل هذه المنعطفات، تبرز الحاجة إلى استحضار روح المسؤولية، وقبول التنازل المتبادل، والتحلي بالحكمة، وقبل ذلك كله تغليب المصلحة الوطنية. وفي هذا السياق، يفترض أن تضطلع آليات الاستباق والتفاوض والتشاور بدورها الكامل داخل اللجنة الوطنية للحوار الاجتماعي (CNDS)، بصيغتها الثلاثية التي توفر إطاراً ملائماً، وذلك في احترام صارم للإجراءات المعتمدة.
فمن العسير ضبط الانفعالات، حين تُعبَّر خارج الأطر المؤسسية المخصصة لها، إذ تميل الكلمات آنذاك إلى ترجمة الغضب أكثر من تجسيد روح المسؤولية. وقد آن الأوان لأن يلتزم كل طرف، في حدود مسؤوليته، بخيار الحوار الاجتماعي الفعلي، حيث تُستشرف الخلافات وتُعالج دون توقف عن العمل أو احتكام إلى ميزان القوة، لما فيه خير الأطراف وصالح الجمهورية.
وأخيراً، فلتكن مواقف الجميع تعبيراً عن رؤية رصينة ثابتة، لا عن حالات انفعالية عابرة، ولتسهم بثبات وحسن تقدير في دفع مسيرة البلاد إلى الأمام.

التحرير

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire