شهدت الجمعية الوطنية، صباح اليوم 15 مايو 2026، جلسة مخصصة للأسئلة الشفهية تناولت واقع ودور مؤسسات التعليم العالي الخاص في تشاد، حيث وُجّهت استفسارات إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني، الدكتور سيتاك يومباتينا بيني، بشأن جودة التكوين، وآليات الرقابة، ومستوى الإشراف على هذه المؤسسات ، وعُقدت الجلسة برئاسة رئيس الجمعية الوطنية، السيد علي كولوتو تشايمي، وبحضور الوزير الأمين العام للحكومة، السيد بركو ديدي ألحاج، وأمينة الدولة المكلفة بالتعليم العالي، الدكتورة خديجة أدم أتيمر. وجاءت هذه المناقشات في إطار سؤال شفهي بمبادرة من النائب البرلماني البروفيسور محمد النظيف يوسف، الذي أثار ملف جودة التعليم في المؤسسات الخاصة، وسبل تعزيز الرقابة عليها وتحسين أدائها.

وتمحورت الجلسة حول واقع مؤسسات التعليم العالي الخاصة ومدى احترامها للمعايير الأكاديمية والإدارية المعتمدة من قبل وزارة المعنية إلى جانب مساهمتها في التنمية الوطنية واستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب.
وفي مستهل مداخلته أكد النائب البرلماني محمد النضيف يوسف أن الحديث عن التعليم العالي الخاص لم يعد قضية هامشية، بل أصبح ملفا وطنيا ذا أبعاد اقتصادية واجتماعية واستراتيجية كبرى، نظرا للدور الذي يلعبه في استيعاب آلاف الطلاب داخل البلاد وخارجها.
وطرح محمد النضيف يوسف عدة تساؤلات تتعلق بعدد مؤسسات التعليم العالي الخاصة المعترف بها رسميا، وكيفية توزيعها على مختلف أنحاء البلاد، إضافة إلى عدد الطلاب والأساتذة الباحثين العاملين بها، ومدى مساهمتها في البحث العلمي الوطني.
كما تساءل عن دور هذه المؤسسات في مرافقة جهود الدولة في التنمية الاقتصادية والتكوين المهني، وعن آليات الرقابة والتقييم التي تعتمدها الوزارة لضمان جودة التعليم واحترام المعايير الوطنية والدولية.
وتطرق النائب كذلك إلى أوضاع طلاب المعاهد الخاصة، متسائلا عن أسباب حرمانهم من بعض الخدمات الجامعية، مثل النقل الجامعي والمطاعم التابعة للمركز الوطني للخدمات الجامعية، مؤكدا أن مبدأ العدالة التعليمية يقتضي المساواة بين طلاب التعليم العام والخاص.
وفي جانب آخر، أثارت قضية محدودية مؤسسات الدكتوراه في تشاد، مشيرا إلى أن جامعتي أنجمينا والملك فيصل تعدان المؤسستين الوحيدتين اللتين توفران تكوينا في مرحلة الدكتوراه، متسائلا عن مدى تمكين خريجي المعاهد الخاصة من مواصلة دراساتهم العليا داخل هاتين الجامعتين.
كما تسأل النضيف حول اتخاذ إجراءات تضمن تكافؤ الفرص أمام خريجي التعليم الخاص، خاصة في حال وجود تعقيدات أو تشدد من بعض الإدارات الجامعية مطالبا بدراسة إمكانية إنشاء مدرسة دكتوراه خاصة بخريجي التعليم العالي الخاص للحد من توجه الطلاب إلى الخارج.
وأوضح أن عدد الطلاب التشاديين يقدر بحوالي 200 ألف طالب من بينهم عشرات الآلاف يدرسون في الخارج ما يكلف الاقتصاد الوطني مبالغ ضخمة سنويا تتجاوز 120 مليار فرنك، تشمل رسوم الدراسة والسكن والإعاشة والمواصلات والرعاية الصحية، معتبرا أن هذه الأرقام تبرز الأهمية الكبيرة لقطاع التعليم العالي في التنمية والاستقرار الاجتماعي.
وفي رده على هذه التساؤلات أكد وزير التعليم العالي الدكتور سيتاك يومباتينا بيني أن قطاع التعليم العالي الخاص أصبح منظما بموجب المرسوم رقم 208 الصادر بتاريخ 15 يوليو 2011، والمتعلق بإنشاء وتنظيم مؤسسات التعليم العالي الخاصة في تشاد.
وأوضح الوزير أن عدد مؤسسات التعليم العالي الخاصة المعترف بها حاليا يبلغ 63 مؤسسة من بينها 46 مؤسسة بالعاصمة أنجمينا، أي ما يعادل أكثر من 70% من مجموع المؤسسات الخاصة، بينما تتوزع بقية المؤسسات على عدد من الولايات والمدن الداخلية مثل أبشه ومندو ولاي وسار وكيلو ومونغو وبالا وبنغور وغيرها.
وأشار إلى أن هذا التركز الكبير في العاصمة يعكس الحاجة إلى وضع استراتيجية أكثر توازنا لتوزيع مؤسسات التعليم العالي عبر مختلف مناطق البلاد.
وأضاف الوزير أن عدد الطلاب المسجلين في مؤسسات التعليم العالي الخاصة بلغ خلال الفترة 2024 ـ 2025 حوالي 27362 ألف طالب ما يعكس تزايدا مستمرا في الإقبال على التعليم الخاص نتيجة ارتفاع أعداد الناجحين في البكالوريا وعدم قدرة الجامعات الحكومية وحدها على استيعاب الطلب المتزايد.
وأكد أن هذه المؤسسات تستقبل حاليا أكثر من 32 ألف طالب يشرف على تأطيرهم مئات الأساتذة والباحثين، غير أن أغلب المؤسسات الخاصة ما تزال تعتمد بشكل كبير على أساتذة الجامعات الحكومية، وهو ما يؤثر أحيانا على السير العادي للمؤسسات العامة.
وأوضح الوزير أن الوزارة تعمل حاليا على تعزيز قدرات المؤسسات الخاصة وإلزامها بتوظيف أساتذة دائمين، خاصة من حاملي شهادات الماستر والدكتوراه المعترف بها من قبل المجلس الإفريقي والملغاشي للتعليم العالي “الكاميس”.
وأشار إلى أن أكبر تحدي يواجه التعليم العالي الخاص يتمثل في نقص الأساتذة من ذوي الرتب العلمية العليا، إلى جانب ضعف إمكانيات البحث العلمي مقارنة بالجامعات الحكومية.
وفيما يتعلق بالبحث العلمي أكد الوزير أن المؤسسات الخاصة تساهم في الإنتاج العلمي الوطني من خلال البحوث الأكاديمية والندوات والمنشورات العلمية وبعض المشاريع التطبيقية، خاصة في مجالات الاقتصاد والتسيير والإعلام الآلي والاتصالات والصحة العامة والهندسة.
كما شدد سيتاك على أن الوزارة تعتمد آليات رقابة وتقييم دورية تشمل التفتيش الإداري والتربوي ومراقبة البرامج الدراسية والبنية التحتية والمؤهلات العلمية للأساتذة ومدى توافق التكوينات مع متطلبات سوق العمل.
وفي ختام مداخلته أكد وزير التعليم العالي أن مؤسسات التعليم العالي الخاصة أصبحت اليوم شريكا أساسيا للدولة في توسيع فرص التعليم الجامعي، والمساهمة في تكوين الكفاءات الوطنية، وتخفيف الضغط المتزايد على الجامعات الحكومية، مشيرا إلى أن القطاع الخاص بات يحتل مكانة مهمة في المشهد الأكاديمي التشادي ويساهم في تنويع التخصصات والتكوينات المهنية المطلوبة في سوق العمل.
وشهدت الجلسة مداخلات عديدة من أعضاء الجمعية الوطنية الذين أكدوا أهمية التعليم العالي الخاص في استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب داعين في الوقت نفسه إلى تشديد الرقابة على المؤسسات غير المطابقة للمعايير الأكاديمية.
وطالب النواب بتحقيق العدالة بين طلاب التعليم العام والخاص خاصة في ما يتعلق بالاستفادة من خدمات النقل والمطاعم الجامعية والمنح الدراسية، إلى جانب ضمان حق خريجي المعاهد الخاصة في مواصلة الدراسات العليا والمشاركة في مسابقات الوظيفة العمومية دون تمييز.
كما دعا عدد من البرلمانيين إلى تعزيز البحث العلمي وتوجيه التكوينات نحو التخصصات المرتبطة بسوق العمل مع تشجيع إنشاء مؤسسات تعليم عال في الولايات الداخلية للحد من التمركز الكبير للمؤسسات الخاصة في العاصمة أنجمينا.
علي حامد إدريس / إيمان أبكر عبد الله












Ajouter un commentaire