Accueil » الافتتاحية: أفريقيا في مواجهة مصيرها
الافتتاحية

الافتتاحية: أفريقيا في مواجهة مصيرها

تشكل الهجرة الأفريقية إلى أوروبا أحد أكبر التحديات التي تواجه عصرنا، فمع أنها تمنح بعض المهاجرين الأمل في مستقبل أفضل، وتتيح بفضل تحويلات الأموال دعم الأسر التي بقيت في بلدانها، فإنها تكشف أيضا عن التصدعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العميقة التي تعبر القارة، كما أنها تعرض آلاف الرجال والنساء والأطفال لأخطار شديدة، في الوقت الذي تحرم فيه العديد من الدول من موارد بشرية لا غنى عنها لتحقيق تنميتها.
وقد أدى التدفق الكبير للمهاجرين نحو مضيق سيته الإسباني مؤخرا إلى اندلاع أزمة كبيرة بين مدريد وعدة عواصم أوروبية، وخلال زيارة ميدانية إلى المنطقة في 31 يوليو 2026م، وصف رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، هذا الوضع بأنه “هجوم على إسبانيا”، في حين دعت عدة حكومات أوروبية إلى تشديد سياسات الهجرة.
ووفقا للأرقام المتاحة، عبر نحو 60 ألف مهاجر الحدود الفاصلة بين المغرب وسيته بشكل غير قانوني، سباحة، خلال بضعة أيام، ويُعتقد أن ما لا يقل عن 72 شخصا لقوا حتفهم أثناء هذه الرحلة المأساوية، إن مثل هذا التحرك السكاني، غير المسبوق على أرض لا تتجاوز مساحتها 20 كيلومترا مربعا، يطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن تفسير أن حشدا بهذا الحجم قرر، في وقت متقارب، التخلي عن كل شيء والمخاطرة بحياته في البحر؟ فباستثناء حالات الحرب أو الكوارث الطبيعية، يظل هذا النوع من النزوح الجماعي أمرا استثنائيا.
إن ستين ألف شخص يمثلون ما يعادل عدد سكان عدة مناطق أفريقية، وهذه الحقيقة تدفعنا إلى تأمل أعمق، فلو فُتحت الحدود الأوروبية غدا بشكل كامل أمام حرية تنقل الأشخاص، فكم من الأفارقة سيختارون الرحيل؟ إن السؤال، رغم ما قد يثيره من انزعاج، يستحق أن يُطرح، وهو يوجه رسالة أولا إلى القادة الأفارقة، وكذلك إلى جميع مواطني القارة.
والهجرة الأفريقية ليست ظاهرة موحدة، كما أنها ليست قدرا محتوما، فالأوضاع تختلف من بلد إلى آخر، غير أن أسبابها معروفة إلى حد كبير: البطالة الواسعة بين الشباب، والفقر المستمر، والنزاعات المسلحة، وعدم الاستقرار السياسي، وانعدام الأمن، وآثار التغير المناخي، وضعف الخدمات العامة، وتأثير شبكات المهربين، إضافة إلى هجرة الكفاءات المتزايدة إلى الدول المتقدمة، وكلها عوامل تغذي اليأس وتعزز حلم الرحيل إلى مكان آخر يُنظر إليه على أنه أكثر وعدا بالمستقبل.
ومع ذلك، لا يمكن بناء مستقبل أفريقيا من خلال نزوح شبابها، فتنمية القارة تعتمد قبل كل شيء على قدرتها على خلق الفرص، وتعزيز الحوكمة، والاستثمار في التعليم والابتكار والتصنيع وخلق فرص العمل، وتزخر أفريقيا بثرواتها الطبيعية، وديناميكية سكانها، وطاقات شبابها ومواهبهم، لذلك لا بد من توظيف هذه الإمكانات لخدمة تنميتها الذاتية.
لقد حان الوقت لكي تتولى أفريقيا زمام مصيرها بشكل كامل، فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في منع الأفارقة من الرحيل، بل في بناء مجتمعات يختارون فيها البقاء بحرية، لأنهم يجدون فيها الأمل والكرامة وآفاق المستقبل، وفي اليوم الذي تصبح فيه أفريقيا أرضا للفرص لأبنائها، ستتوقف الهجرة عن كونها ضرورة، لتصبح مجرد خيار، وهذه هي الطموحات التي ينبغي للقارة أن تكرس لها جميع طاقاتها من الآن فصاعدا.
التحرير

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire