في خطابه بمناسبة الذكرى الـ 66 لاستقلال البلاد، تناول رئيس الجمهورية مشير تشاد محمد إدريس ديبي إتنو، جملة من الملفات الأساسية، المنبثقة من المشروع الوطني، من أهمها بناء الإنسان، وتحسين الخدمات، وتعزيز الهوية الوطنية، وتوفير الطاقة، وهي رؤية تسعى لتحويل الاستقلال من مناسبة لاستذكار الماضي إلى محطة لتحديد أولويات الدولة في المرحلة المقبلة.

احتل التعليم موقعاً متقدماً في رؤية رئيس الجمهورية، من خلال التأكيد على أهمية المدرسة في بناء الإنسان، وهذه الإشارة تعكس توجهاً يعتبر التعليم استثماراً استراتيجياً في مستقبل البلاد، وليس مجرد خدمة اجتماعية، فتحسين جودة التعليم وتطوير المؤسسات التعليمية وتأهيل الشباب، تمثل جميعها عناصر أساسية لإعداد جيل قادر على تحمل مسؤوليات التنمية والمشاركة في بناء الدولة.
ويأتي هذا التركيز في وقت أصبح فيه التعليم مرتبطاً بشكل مباشر بمستقبل الاقتصاد وسوق العمل، فكلما تحسنت جودة التعليم، ازدادت قدرة الشباب على اكتساب المهارات اللازمة للاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يجعل إصلاح المنظومة التعليمية أحد أبرز رهانات بناء تشاد الحديثة.
وفي قطاع الصحة، حمل الخطاب رسالة واضحة حول ضرورة تعزيز النظام الصحي وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، فالصحة تمثل أحد أهم مؤشرات التنمية، كما أن توفير الرعاية الصحية وتقريبها من السكان يساهم في تحسين الظروف المعيشية وتعزيز حضور الدولة في مختلف مناطق البلاد.
أما الثقافة، فقد ظهرت في الخطاب باعتبارها مكوناً أساسياً للهوية الوطنية، وفي ظل التنوع الذي تتميز به تشاد، فإن الاستثمار في الثقافة لا يرتبط فقط بحماية التراث، وإنما يمكن أن يتحول إلى أداة لتعزيز الوحدة الوطنية والتعايش وترسيخ قيم الانتماء المشترك.
وفي ملف الكهرباء، ركز الرئيس على توسيع الإنتاج وتحسين توفير الطاقة، وهو ملف يرتبط بصورة مباشرة بالحياة اليومية للمواطن وبمسار التنمية الاقتصادية، فاستقرار الكهرباء ينعكس على المدارس والمستشفيات والمؤسسات والإنتاج، كما يمثل عاملاً مهماً في جذب الاستثمارات وتحريك النشاط الاقتصادي.
وتكشف هذه الأولويات، عند قراءتها مجتمعة، عن ترابط واضح بين مختلف القطاعات، فالتعليم يحتاج إلى الطاقة، والمرافق الصحية تحتاج إلى الكهرباء، والتنمية الاقتصادية تحتاج إلى الإنسان المؤهل، فيما توفر الثقافة أرضية لتعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم خطاب الاستقلال باعتباره محاولة لإعادة تعريف معنى الاستقلال في المرحلة الراهنة؛ فالسيادة الوطنية لا تقاس فقط بالرموز السياسية والتاريخية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية وتحسين حياة المواطنين وبناء اقتصاد قادر على خلق فرص التنمية.
غير أن نجاح هذه الرؤية سيظل مرتبطاً بمدى القدرة على الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ، وتحويل الأولويات المعلنة إلى مشاريع وسياسات قابلة للقياس، تصل نتائجها إلى المواطن في مختلف أنحاء البلاد.
وهكذا، حمل خطاب الذكرى الـ 66 للاستقلال رسائل تتجاوز الاحتفال بالماضي، ليطرح رهانات الحاضر والمستقبل: تعليم أفضل، نظام صحي أكثر كفاءة، ثقافة تعزز الهوية والوحدة، وطاقة أكثر استقراراً، وهي ملفات تشكل، في مجموعها، أساساً لمشروع تنموي يستهدف بناء دولة أكثر قوة واستقراراً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
علي حامد إدريس












Ajouter un commentaire