مع حلول شهر أكتوبر من كل عام، تتزين الفضاءات العامة باللون الوردي، وتتكثف حملات التوعية والأنشطة التي تذكّر بأهمية مكافحة سرطان الثدي، ولا شك أن هذه التعبئة تؤدي دوراً مهماً في نشر الوعي وتعزيز الاهتمام بصحة المرأة، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكفي شهر واحد لترسيخ الوعي بمرض لا يتوقف خطره بانقضاء هذا الشهر؟
يُحسب لشهر أكتوبر الوردي أنه أسهم في كسر حاجز الصمت، وتشجيع النساء على الحديث عن سرطان الثدي والاهتمام بصحتهن، غير أن جهود التوعية، مهما كانت الأنشطة المنظمة في إطارها مهمة، لا ينبغي أن تقتصر على بضعة أسابيع من العام، فمخاطر المرض لا تنتهي بانتهاء شهر أكتوبر، الأمر الذي يستدعي مواصلة جهود التوعية والوقاية والكشف المبكر وتقديم الدعم للمصابات على مدار العام.
وتزداد أهمية هذا التحدي في ظل التفاوت في فرص الحصول على المعلومات والخدمات الصحية بين النساء، ففي حين تشهد المدن الكبرى تنظيم مؤتمرات وحملات إعلامية ومسيرات توعوية، إلى جانب أنشطة الكشف المبكر، تظل النساء في المناطق الريفية أمام تحديات أكبر، بسبب بُعد المرافق الصحية ومحدودية وصول فرق التوعية إليهن، ويطرح هذا الواقع تساؤلات جوهرية بشأن كيفية الوصول إلى النساء اللاتي لا تتاح لهن فرصة منتظمة للاطلاع على وسائل الإعلام، ولا يملكن الإمكانات اللازمة للتنقل إلى المراكز الصحية.
إن مكافحة سرطان الثدي تقتضي أن تشمل جهود التوعية في اوساط جميع النساء، دون استثناء، من خلال برامج تتلاءم مع الواقع المحلي، وتوفير معلومات واضحة ومبسطة باللهجات التي تفهمها النساء وتستوعبن مضامينها، كما ينبغي ألا تُغفل النساء المقيمات في المدن، ممن تحول محدودية إمكاناتهن المالية دون حصولهن على الاستشارات الطبية والفحوص اللازمة، فالتوعية على أهميتها، لا تكفي وحدها ما لم تقترن بإمكانية فعلية للوصول إلى الخدمات الصحية، وتشجيع المرأة على مراجعة الطبيب يمثل الخطوة الأولى، لكن هذه الخطوة لا تحقق غايتها كاملة ما لم تتمكن من إجراء الفحوص المطلوبة، والحصول على التشخيص في آجال معقولة، والاستفادة من الرعاية الصحية المناسبة، وفي غياب هذه الإمكانات، تظل رسائل الوقاية مهددة بالاصطدام بعوائق واقعية تحول دون تحقيق أهدافها.
ومن هذا المنطلق، ينبغي ألا يتحول أكتوبر الوردي إلى محطة سنوية عابرة، تتكاثر خلالها الخطابات والأنشطة، ثم يعود الموضوع إلى دائرة النسيان بمجرد انقضاء الشهر، فاستمرار جهود المكافحة مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود السلطات العامة والمهنيين الصحيين والجمعيات ووسائل الإعلام ومختلف مكونات المجتمع، ولكل طرف دور ينبغي أن يضطلع به لضمان بقاء القضية حاضرة في الوعي العام، وتحويل الرسائل التوعوية إلى ممارسات ملموسة تسهم في الوقاية، وتشجع على الكشف المبكر، وتيسر الحصول على الرعاية الصحية.
فسرطان الثدي لا يأخذ إجازة بانتهاء أكتوبر، ولا ينبغي أن تتوقف التوعية أو يتراجع الالتزام بمكافحته بانقضاء الشهر، فصحة المرأة مسؤولية مستمرة، تستدعي عملاً وجهوداً متواصلة طوال العام.
التحرير










Ajouter un commentaire