يوماً بعد يوم، أصبحت الصحة النفسية ضرورة لا تقل أهمية عن الرعاية الجسدية، إذ تشكل أساس استقرار الأفراد وازدهار المجتمعات، وفي تشاد تظهر التحديات بوضوح حيث تفتقر البلاد إلى خدمات نفسية متخصصة، ويعاني سكان المناطق البعيدة من ندرة الكوادر المؤهلة وغياب التجهيزات الطبية اللازمة، ما يجعل الوصول إلى الرعاية النفسية أمراً صعباً ومعقداً.

وفي هذا الإطار، أجرى فريق من صحيفة «إنفو»، مقابلة مع الدكتور محمد أخونا حسن، الطبيب النفسي المتطوع بالمستشفى العام المرجعي الوطني الجامعي «سنترال» بالعاصمة انجمينا، والذي كرس أكثر من عشرين عاماً لعلاج المرضى النفسيين في ظروف صعبة، متحدياً شح الموارد وضغط الحالات المتزايد.
في بداية حديثه أشار الدكتور محمد إلى أن التشاديين بدأوا يظهرون وعياً أكبر بأهمية الطب النفسي، حيث يتزايد عدد المرضى القادمين من مختلف الأقاليم، ومع ذلك لا تزال بعض المعتقدات التقليدية، والعادات الاجتماعية تؤخر بدء العلاج، مثل اللجوء أولا إلى المعالجين الروحيين قبل مراجعة الأطباء، ما يؤدي إلى تفاقم الحالات وتأخير التدخل المبكر.
وأضاف أن هذا التحول جاء بعد سنوات من الجهد والصبر، في مواجهة مقاومة اجتماعية وثقافية، إذ كانت بعض الأسر ترفض العلاج وتعتبر المرض النفسي وصمة اجتماعية، ما جعل كثيراً من المرضى يتأخرون في طلب المساعدة.
وأكد أن نقص الأطباء النفسيين يمثل تحدياً كبيراً، إذ لا يوجد في البلاد سوى ثلاثة أطباء يعملون جميعاً بالمستشفى المركزي بانجمينا، وهو ما يجعل تلبية الاحتياجات النفسية للسكان أمراً صعباً، خاصة في المناطق النائية التي تفتقر إلى خدمات متخصصة.
ويتابع الدكتور محمد اخونا بأن أكثر من مائة مريض شهرياً يترددون إلى المستشفى، يعانون من حالات اكتئاب وقلق وإدمان، إضافة إلى حالات تحتاج إلى متابعة طويلة الأمد، وذلك في ظل محدودية الأدوية وضعف الإمكانات الطبية المتوفرة، وبين أن كثيراً من المرضى يصلون إلى المستشفى بعد تدهور حالتهم النفسية بسبب التأخر في طلب العلاج، مؤكداً أن التدخل المبكر يساعد بشكل كبير في تقليل المضاعفات وتحسين فرص التعافي.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الصحة النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة أساسية لبناء مجتمع مستقر ومنتج، داعيا إلى دعم الكوادر الطبية، وتوفير الإمكانات اللازمة، وإدماج خدمات الصحة النفسية ضمن السياسات الصحية في البلاد.
المرضى يروون معاناتهم مع المرض النفسي
أكد عبد الله محمد الذي عانى من الاكتئاب الحاد، أن المرض أثر بشكل كبير على حياته اليومية وعلاقاته الاجتماعية، موضحا أنه كان يشعر بالعجز وفقدان الرغبة في ممارسة نشاطاته المعتادة.
وأضاف أن العلاج النفسي والمتابعة الطبية ساعداه تدريجيا على استعادة توازنه النفسي والعودة إلى حياته الطبيعية، مشيراً إلى أن دعم أسرته كان عنصراً مهماً في رحلة التعافي.
من جانبه قال عبد المجيد حسن، الذي عانى من اضطرابات القلق، إن المرض أثر على عمله وحياته الاجتماعية، لكنه تمكن من تجاوز جزء كبير من معاناته بعد تلقي العلاج المناسب، مؤكداً أهمية عدم تجاهل الأعراض النفسية وطلب المساعدة في الوقت المناسب.
وتعكس هذه الشهادات حجم المعاناة التي يعيشها كثير من المرضى في صمت، كما تكشف في الوقت نفسه عن تحسن تدريجي في وعي المجتمع بأهمية الصحة النفسية وضرورة العلاج المتخصص.
ومع استمرار التحديات تبرز الحاجة إلى جعل الصحة النفسية أولوية وطنية، بما يضمن توفير الرعاية اللازمة لبناء مجتمع أكثر توازناً واستقراراً.
سعدية حافظ عمر












Ajouter un commentaire