يتزايد سفر عدد من المرضى التشاديين إلى العلاج خارج البلاد، في ظل تساؤلات حول قدرة المنظومة الصحية الوطنية على توفير مختلف التخصصات والتجهيزات والخدمات الطبية، خصوصاً للحالات المعقدة، وبينما يرى أطباء أن نقص بعض المعدات والتخصصات والتكوين المستمر يُمثل أحد أسباب الإجلاءات الطبية، يشير مواطنون إلى عوامل أخرى، من بينها الثقة في التشخيص، وظروف الاستقبال، وتوفر الأدوية، وتكلفة العلاج، ما يجعل ظاهرة العلاج في الخارج موضوعاً يطرح تحديات متعددة أمام القطاع الصحي في البلاد.

وحول هذا الموضوع، أجرى فريق من صحيفة إنفو يوم الأحد 30 أغسطس 2026م مقابلات صحفية مع عدد من الأطباء والمواطنين، للوقوف على أسباب استمرار ظاهرة العلاج في الخارج، والتحديات التي تواجه القطاع الصحي في تشاد.
في حديثه، أكد الدكتور الطيب أبكر الصافي، اختصاصي أمراض وجراحة الأنف والأذن والحنجرة والمسؤول عن قسم الاختصاص بمستشفى «ريفونداسين» بفرشا، والمتعاون بمستشفى الأم والطفل، أن العلاج في الخارج يرتبط بعوامل متعددة، بينها حق المريض في اختيار المكان الذي يراه مناسباً، إضافة إلى وجود حالات معقدة تحتاج إلى تجهيزات وخبرات دقيقة.
وأشار الدكتور إلى تخصصات مثل جراحة القلب، وجراحة المخ والأعصاب، وعلاج السرطان، وأمراض الدم والعظام، باعتبارها مجالات قد تستدعي العلاج خارج البلاد في بعض الحالات، لكنه أكد في المقابل أن تشاد تضم أطباء اختصاصيين قادرين على التكفل بعدد كبير من الأمراض.
وشدد الدكتور الطيب على أهمية تعزيز التجهيزات الطبية، وتوفير المختبرات والكهرباء والإنترنت والمراجع العلمية، إلى جانب التكوين المستمر وتحسين استقبال المرضى، معتبراً أن تعزيز هذه الجوانب يُمكن أن يسهم في تقليص الإجلاءات الطبية.
من جانبه، أكد الدكتور جدي علي سوقودي، الطبيب المختص في الأمراض المعدية والأستاذ الباحث بكلية الطب بجامعة أنجمينا والمتعاون بالمركز الاستشفائي الجامعي المرجعي «النهضة»، إن أزمة الثقة بين المرضى وبعض مقدمي الخدمات الصحية تمثل أحد العوامل التي تفسر اللجوء إلى العلاج خارج البلاد.
وأوضح جدي، أن تراجع توفر بعض الكفاءات الطبية المتخصصة، إلى جانب ما وصفه بوجود ممارسات غير مهنية لدى بعض العاملين في القطاع الصحي، ساهم في التأثير على ثقة المواطنين، وأضاف أن بعض الإجلاءات الطبية تكون ضرورية، في حين قد تختار حالات أخرى العلاج في الخارج رغم توفر جزء من الإمكانيات المطلوبة داخل البلاد.
وانتقد سوقودي، في السياق ذاته، ضعف استغلال بعض المعدات الطبية المتوفرة في المؤسسات الصحية، موضحاً أن التحدي لا يكمن دائماً في غياب الأجهزة، وإنما أحياناً في نقص الكفاءات القادرة على تشغيلها وصيانتها والاستفادة منها.
وأشار إلى تجربة قال إنه عاشها أثناء توليه مسؤولية بوزارة الصحة، حين عُثر، بحسب روايته، على جهاز Bactec مخصص لزراعة الدم في أحد المستشفيات الكبرى، من دون استخدامه رغم توفر المواد اللازمة لتشغيله.
كما أوضح أن بعض الفحوصات المخبرية والتشخيصية المتخصصة، إلى جانب بعض التدخلات الجراحية والعلاجات المتقدمة، لا تزال محدودة، وهو ما قد يدفع المرضى إلى السفر، واستشهد بتجربة شخصية قال إنه مر بها عام 2022م، عندما تعرض لالتهاب في عضلة القلب، وتم التعامل مع حالته في البداية على أنها جلطة قلبية، قبل أن يخضع في فرنسا لفحوصات متخصصة ساعدت، وفق روايته، على تأكيد التشخيص.
من جهة أخرى، تقول المواطنة حليمة محمد جبريل، إن تجربتها جعلتها ترى أن ضعف المعاملة في بعض المؤسسات، ونقص بعض الاختصاصيين، وطول الانتظار، ومستوى النظافة في بعض المستشفيات، من بين أسباب اللجوء إلى العلاج في الخارج.
بدورها، أوضحت ريم البشير، أن محدودية بعض التخصصات ونقص بعض الأدوية وظروف بعض المؤسسات الحكومية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف العلاج في القطاع الخاص، تؤثر في قرار المرضى. وأضافت أن تجارب صحية عاشها أفراد من عائلتها، تضمنت اختلافاً بين التشخيص الأول في تشاد والتشخيص الذي حصلوا عليه في الخارج، عززت لديها الرغبة في البحث عن رعاية خارج البلاد.
وتشير هذه الشهادات إلى أن ظاهرة العلاج خارج البلاد لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تتداخل فيها جودة الخدمات، وتوفر التخصصات والتجهيزات، ودقة التشخيص، وظروف الاستقبال، والتكلفة، وثقة المرضى.
علي حامد إدريس








Ajouter un commentaire