Accueil » الارث السياحي : ضرورة الحفاظ على المعالم السياحية في البلاد
ثقافة

الارث السياحي : ضرورة الحفاظ على المعالم السياحية في البلاد

لا تعاني البلاد من نقص في الجانب السياحي، بل تعاني من ضعف في المحافظة على ثرواتها السياحية، فمن تضاريس تيبستي، إلى الواحات والبحيرات، والمواقع الأثرية والفضاءات الثقافية، تمتلك البلاد تراثاً تتجاوز قيمتها بكثير مجرد كونها صناعة، فهذا الإرث يروي تاريخاً ويحمل ذاكرة، ويمكن أن يشكل رافعة اقتصادية، لكنه يظل معرضا لخطر أكثر صمتا من التدمير العنيف، وهو الإهمال.

إن المفارقة لافتة للنظر، البلاد تريد المزيد من الترويج لثرواتها السياحية، في حين أن بعض هذه الثروات تفتقر إلى الحماية والصيانة والأمن بالحد الأدنى، والحقيقة أن التراث غير المحمي ينتهي حتماً إلى فقدان قيمته، لذلك، لا يمكن فصل الترويج عن المحافظة على التراث السياحي، وهنا ينبغي إعادة النظر في مسؤولية الهيئة الوطنية لترقية السياحة والحرف اليدوية (ONPTA)، فلا ينبغي أن تقتصر مهمتها على التعريف بالمواقع وجذب الزوار، لأن الترويج لتراث متدهور، يصعب الوصول إليه أو يفتقر إلى الأمن، يعني تقديم وعود قد تنفيها حقائق الواقع.

الواجب الأول هو معرفة ما نملكه وحالة كل موقع، والقيام بجرد وطني يتم تحديثه بانتظام لتحديد المواقع الأكثر عرضة للخطر، والتدهور، والاحتياجات العاجلة، والمخاطر التي تتعرض لها. ومن دون تشخيص دقيق، لا توجد سياسة حقيقية للمحافظة على التراث، بل مجرد تدخلات مؤقتة غالبا ما تبدأ عندما تكون الأضرار قد أصبحت كبيرة بالفعل، ولا ينبغي أن تعتمد الصيانة على الظروف الاستثنائية، بل يجب أن تكون جزءًا من برنامج منتظم، سنوي أو متعدد السنوات، يتضمن أولويات واضحة وتكلفة محددة ومسؤوليات موزعة بوضوح، وبالنسبة إلى المواقع التاريخية والأثرية، فإن هذا الأمر أكثر أهمية، فالترميم لا يعني إعادة البناء بأي ثمن، فالترميم المؤقت قد يمحو حتى الآثار التي يُفترض أننا نسعى إلى إنقاذها.

لكن سياسة المحافظة على التراث تتطلب واقعا آخر أقل إثارة، وهو المال، فصيانة موقع، وتأمين مداخله، وتدريب الموظفين، وترميم نصب تذكاري أو تركيب معدات للحماية، كلها أمور لها تكلفة لا مفر منها، ولن تتمكن الدولة من تمويل كل ذلك بمفردها، لذلك يجب البحث عن الشراكات بين القطاعين العام والخاص بجدية، والتعاون الدولي، والرعاية، وإشراك الجماعات المحلية، فالحفاظ على التراث السياحي لا ينبغي أن يكون مجرد بند في الميزانية أو واجهة مؤسسية، بل يجب أن يستفيد من تمويل يمكن التنبؤ به ومن إدارة شفافة.

ويُمثل الحريق الذي شب في باشقيري، تحذيراً من أن البلاد لم تعد بامكانها التعامل معه باعتباره حادثاً معزولا، فهذا المثال من الحريق يذكر بشكل قاس بأن بعض المواقع يمكن أن تختفي أو تتعرض لأضرار لا يمكن إصلاحها خلال بضع ساعات، وفي بيئة تتسم بالحرارة والجفاف والحرائق، ينبغي أن تكون الوقاية واجبا دائما، فطفايات الحريق، والمنشآت الكهربائية التي تخضع للمراقبة، وإزالة الأعشاب والشجيرات الجافة، وفتح ممرات لإجلاء فرق الإنقاذ، ووضع اللافتات وأنظمة الإنذار، كلها أمور ضرورية، لكن وجود طفاية حريق معلقة على الحائط لا يحمي أحدا إذا كانت فارغة أو منتهية الصلاحية، أو إذا كان الشخص المكلف باستخدامها لا يعرف كيفية استعمالها، لذلك فإن أمن الإرث السياحي هو أيضا مسألة تدريب، وينبغي أن تسمح التدريبات المنتظمة باختبار القدرة الحقيقية للفرق على إجلاء الزوار، وإطلاق الإنذار، والتدخل قبل وصول فرق الإنقاذ.

وفوق كل ذلك، لا يمكن أن تبقى المحافظة على التراث محصورة داخل مكاتب الإدارة، بل يجب أن تصبح المجتمعات المحلية المجاورة شركاء أساسيين، فهي تعرف الأماكن، واستخداماتها، ونقاط ضعفها، والتغيرات التي تطرأ عليها، وإشراكها في المراقبة والتوعية سيسمح أيضا بجعل التراث مصدراً للثروة المشتركة، بدلا من أن يكون مجرد فضاء إداري بعيدا عن السكان.

يجب على البلاد أن تختار بين تصورين للسياحة، يقوم الأول على مضاعفة الحملات الترويجية والإعلانات، أما الثاني، وهو الأكثر تطلبا، فيقوم على بناء الظروف التي تجعل هذا الترويج ذا مصداقية، وذلك من خلال مواقع تتم صيانتها وتأمينها، ويسهل الوصول إليها، وتحترم هويتها.

ولا ينبغي أن يكون المؤشر الحقيقي للسياسة السياحية هو عدد الزوار الذين تم جذبهم فقط، بل يجب أيضا أن يقيس عدد المواقع التي تم الحفاظ عليها وترميمها وتأمينها وتسليمها بحالة جيدة إلى الأجيال القادمة، وتتمثل الحاجة الملحة الآن في الانتقال من سياسة تروّج للثروات إلى استراتيجية وطنية حقيقية للمحافظة عليها وتأمينها وتثمينها بشكل مستدام، لأن ما يختفي بسبب نقص الصيانة لا يعود دائماً.

 

 

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire