Accueil » جمارك: الإعفاءات الجمركية بين دعم السوق وحماية الإنتاج المحلي
اقتصاد

جمارك: الإعفاءات الجمركية بين دعم السوق وحماية الإنتاج المحلي

يطرح القرار الحكومي رقم 135 بشأن إعفاء بعض الواردات من الرسوم والضرائب أسئلة تتجاوز تخفيف كلفة الاستيراد إلى مدى انعكاسه فعلياً على الأسعار، ويستهدف القرار منتجات غذائية ومستلزمات زراعية، في وقت تواجه فيه الأسواق ضغوطاً مرتبطة بتكاليف النقل والتموين وتراجع الأمطار. وبينما يأمل التجار في خفض أعباء الاستيراد وانتظام الإمدادات، ينتظر المستهلكون أثراً ملموساً على أسعار المواد الأساسية، غير أن حجم هذا الأثر يظل مرتبطاً بالمنافسة والرقابة والتكاليف الأخرى.

في 9 سبتمبر 2026م، صدر القرار الحكومي رقم 135 بإعفاء عدة فئات من الرسوم والضرائب المفروضة على الاستيراد، بما يشمل بعض المنتجات الموجهة للاستهلاك البشري والحيواني، إضافة إلى المدخلات والتجهيزات الزراعية، ويشمل ذلك بذور الأعلاف للماشية وتجهيزات حفر الآبار، ومضخات المياه ومعدات الإمداد بالمياه والمدخلات المخصصة لإنتاج المحاصيل العلفية، وتنسجم هذه المجالات مع توجهات مالية سابقة أعفت مستلزمات زراعية من بعض الأعباء الضريبية.

من الناحية الاقتصادية، يعني الإعفاء أن المستورد لا يدفع الرسوم والضرائب المشمولة عند التخليص، ما يخفض تكلفة السلعة في نقطة دخولها إلى السوق، لكن هذا الانخفاض لا يتحول بالضرورة إلى خفض مماثل في سعر البيع، فتكاليف النقل والتخزين والخدمات اللوجستية ومستوى المنافسة قد تستوعب جزءاً من الوفر الناتج عن الإعفاء.

ويبرز هنا دور الرقابة، فإذا كانت السوق تضم عدداً كبيراً من المستوردين والموزعين، يمكن للمنافسة أن تدفع المتعاملين إلى تمرير جزءاً أكبر من الوفر إلى المستهلك، أما في السوق الذي تتركز فيه العمليات لدى عدد محدود من المتعاملين، فقد يحتفظ بعضهم بجزء من المكسب في صورة هامش إضافي، ولذلك فإن قياس أثر القرار لا ينبغي أن يقتصر على حجم الرسوم الملغاة، بل يجب أن يتابع الفارق بين كلفة الاستيراد والأسعار المعروضة للمستهلك.

ويحمل القرار بعداً آخر يتعلق بالإنتاج الزراعي. فإعفاء معدات الري والمستلزمات الزراعية يمكن أن يخفض تكلفة الاستثمار والإنتاج، ويساعد المنتجين على تحسين قدرتهم على الوصول إلى المعدات والأعلاف، وعلى المدى المتوسط، قد يسهم ذلك في زيادة الإنتاج المحلي وتوافر السلع، غير أن خفض كلفة السلع المستوردة قد يفرض في المقابل ضغطاً على المنتجين المحليين، خصوصاً إذا انخفضت أسعار الحبوب المستوردة دون انخفاض مماثل في تكاليف الإنتاج المحلي.

وتتضح أهمية هذا التوازن في ظل تطلعات المستهلكين، فالمواطن لا يقيس نجاح الإجراء بقيمة الإعفاء على الورق، وإنما بما يلمسه في السوق من توفر السلع واستقرار الأسعار، كما أن استمرار المخزونات التي تم شراؤها قبل صدور القرار قد يؤخر ظهور الأثر، بينما يُمكن للتكاليف غير الضريبية أن تحد من حجم الانخفاض المتوقع. وتتطلب المتابعة أيضاً نشر بيانات واضحة حول السلع المشمولة وأسعارها قبل الإعفاء وبعده، حتى يمكن مقارنة التطورات بصورة موضوعية.

وفي هذا السياق، دعا رئيس الجمهورية، مشير تشاد محمد إدريس ديبي إتنو، خلال زيارته إلى مخازن الهيئة الوطنية للأمن الغذائي (ONASA) بانجمينا يوم 16 سبتمبر 2026م، دعا التجار إلى عدم استغلال نقص الأمطار لرفع أسعار المواد الغذائية، وطالب المتعاملين الاقتصاديين بعكس أثر التدابير الضريبية على أسعار السلع.

كما أعلن رئيس الجمهورية أن المساعدات الغذائية الحكومية ستوزع مجاناً هذا العام في الولايات المتضررة من نقص الأمطار، في ظل ما خلّفه شح الأمطار من تأثيرات على المحاصيل والمراعي، إلى جانب تشكيل لجنة وزارية مشتركة لتقييم الوضع على المستوى الوطني، وفي هذا السياق، تعكس هذه المواقف أن الإعفاء الجمركي يندرج ضمن جملة من التدابير الرامية إلى الحد من تداعيات الظروف المناخية وتعزيز الأمن الغذائي.

ومن ثم، فإن الأثر المنتظر للقرار رقم 135 لا يرتبط بالإعفاء وحده، بل فعالية الرقابة، وقدرة القطاع الزراعي المحلي على الاستفادة من انخفاض تكلفة المدخلات والمعدات، وبين دعم الاستهلاك وحماية الإنتاج، تبقى متابعة الأسعار والتموين خلال الفترة المقبلة عاملاً أساسياً في تحديد النتائج الفعلية للإجراء.

في ذات الصدد يرى الاقتصادي سيمايل مبيراسم، أن نجاح الإعفاء الجمركي في تحقيق أثر ملموس يتطلب متابعة فعلية للأسعار، للتأكد من انتقال الوفر إلى المستهلكين والمنتجين. مضيفاً أن نشر أسعار مرجعية بصورة منتظمة حسب المنتجات والأسواق، يمكن أن يساعد في قياس الفارق بين تكلفة الاستيراد وسعر البيع.

كما يشدد على أهمية تعزيز المنافسة بين المستوردين والموزعين، بما يحد من إمكانية احتفاظ بعض المتعاملين بكامل المكاسب الناتجة عن الإعفاء. وفي القطاع الزراعي، يوصي بمرافقة الإجراء بالتدريب وتيسير التمويل وصيانة المعدات، حتى يتحول انخفاض كلفة المدخلات إلى زيادة فعلية في الإنتاج.

كما يلفت إلى أن ارتفاع تكاليف النقل والتخزين والممارسات غير الرسمية قد يستوعب جزءاً من الوفر قبل وصوله إلى المستهلك. ويخلص إلى أن تقييم القرار خلال الأسابيع الأولى قد لا يكون حاسماً، بسبب وجود مخزونات سابقة الشراء، ما يستدعي متابعة آثاره على مدى زمني أطول.

سعاد محمد جبريل

 

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire