تظل الفنون التشكيلية إحدى أعمق أدوات التعبير الثقافي، إذ تتجاوز كونها مظهراً جمالياً لتشكل رافداً تنموياً وذاكرة حية للشعوب. ورغم التحديات الهيكلية التي تحيط بالمشهد الفني والثقافي في البلاد، تبرز مبادرات جادة لإعادة التفكير في دور الفنان التشكيلي وترسيخ صناعة إبداعية مستدامة. وفي هذا السياق، أجرى فريق من صحيفة “إنفو”، مقابلة صحفية مع الفنان التشكيلي ورئيس جمعية «Knock On Art» (Doff)، قيديمباي أبولينير، يوم الأربعاء 5 أغسطس 2026م، للوقوف على واقع الفن التشكيلي وأبعاده الثقافية والاقتصادية، ومبادرات تمكين الشباب.

وفي مستهل حديثه، أوضح الفنان قيديمباي أبولينير، أن الفن التشكيلي يمثل مظلة شاملة لمختلف الممارسات الإبداعية التي تقوم على إعادة تشكيل المادة ضمن مساحات ثنائية الأبعاد أو أحجام ثلاثية الأبعاد. وأضاف أن جوهر هذا الفن يكمن في تحويل المواد، كالخامات الزيتية والطين والمعادن أو الوسائط الرقمية الحديثة، إلى أعمال فنية تجسد رؤية المبدع وتحمل دلالات ثقافية، مشيراً إلى أن قابلية هذه الأعمال للحفظ والتوثيق تمنحها استدامة مادية تتيح انتقالها عبر الزمن.
وأكد أن الفن التشكيلي يؤدي وظيفة محورية في بناء الهوية الثقافية، فالأقنعة والمنحوتات واللوحات ليست مجرد أعمال فنية، وإنما سجلات تحفظ ذاكرة الشعوب وقيمها. وأشاد بدوره في صون التراث الوطني وإبراز الرموز الحضارية، بما في ذلك المعالم التشكيلية والنقوش الصخرية في البلاد، فضلاً عن كونه وسيلة تعليمية تسهم في ترسيخ المفاهيم التاريخية والجغرافية، وتعزيز التماسك الاجتماعي من خلال الفعاليات واللقاءات الفنية والثقافية.
وبيّن أن الفن التشكيلي يمثل كذلك قطاعاً إنتاجياً متكاملاً يوفر فرص عمل مستدامة للرسامين والنحاتين والمصورين وأصحاب المعارض، كما يشكل رافداً مهماً للسياحة الثقافية من خلال المعارض والفعاليات الفنية، مثل بينالي داكار، ويمنح الصناعات التقليدية قيمة مضافة تعزز قدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية.
وفي حديثه عن أبرز العقبات التي تواجه الفن التشكيلي في البلاد، أشار إلى أن القطاع، شأنه شأن العديد من القطاعات الفنية في القارة، يواجه تحديات هيكلية، في مقدمتها غياب المؤسسات الأكاديمية المتخصصة، وضعف البنية التحتية الخاصة بالعرض والتسويق، إلى جانب محدودية الأطر القانونية والتمويلية الكفيلة بتوفير الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للفنان.
وأضاف أن جمعية «Knock On Art» تعمل على مواجهة هذه التحديات ميدانياً من خلال اعتماد استراتيجية للتأهيل والتأطير المهني، وتنظيم ورش عمل وتدريبات متقدمة لفائدة الشباب والمصورين، بإشراف فنانين وخبراء دوليين استضافتهم الجمعية من الكاميرون وفرنسا وسويسرا ومالي.
وثمّن الفنان جهود الشركاء الذين آمنوا بالدور الاجتماعي والاقتصادي للفن، وفي مقدمتهم التعاون السويسري (Swiss Cooperation)، والسفارة الفرنسية في البلاد، والهيئة الوطنية لترقية السياحة والصناعة التقليدية والفنون (ONPTA)، إلى جانب عدد من الرعاة والداعمين من مختلف القطاعات.
واختتم الفنان قيديمباي أبولينير، حديثه بالتأكيد على ضرورة وضع رؤية وطنية شاملة للنهوض بقطاع الفنون التشكيلية وتحويله إلى مهنة مستدامة، من خلال إنشاء مؤسسات ومعاهد تعليمية متخصصة، وإدراج الفنون ضمن المناهج المدرسية، وتوفير البنية التحتية اللازمة من متاحف ومعارض لاحتضان الفعاليات الدورية، إلى جانب بناء سوق فنية تعزز ثقافة اقتناء الأعمال الفنية لدى الأفراد والمؤسسات، وترسخ التعامل مع الفن بوصفه صناعة ومهنة ذات مردود ثقافي واقتصادي وتنموي.
علي موسى مهاجر












Ajouter un commentaire