ترأس رئيس الجمهورية، المشير محمد إدريس ديبي إتنو، يوم الاثنين 20 من يوليو 2026م، الاحتفال الرسمي بالذكرى الخامسة والعشرين لاكتشاف أحفورة “توماي”، بالتزامن مع إحياء اليوم الوطني للتراث، وذلك بحضور رئيس الوزراء السفير اللاماي هالينا، ورؤساء المؤسسات الكبرى، والباحثين، وعدد من الشخصيات الوطنية والدولية البارزة.

وشكلت المناسبة، التي احتضنها “قصر توماي”، محطة لتجديد الاعتزاز بالمكانة العلمية والحضارية التي تحتلها تشاد في تاريخ البشرية، حيث أجمع المتدخلون على أن اكتشاف «توماي» تجاوز كونه إنجازاً علمياً ليصبح رمزاً وطنياً ورسالة سلام ووحدة موجهة إلى العالم، ودليلاً على نجاح التعاون العلمي وإسهامات تشاد في دراسة أصول الإنسان.
وأكد البروفيسور مكاي حسن تايسو أن مرور خمسة وعشرين عاماً على اكتشاف جمجمة «توماي» يمثل محطة علمية وتاريخية فارقة، مشيدًا بالدعم الذي توليه السلطات التشادية، وعلى رأسها رئيس الجمهورية، للبحث في مجال علم الأحياء القديمة، والذي تُوِّج بإطلاق اسم «قصر توماي» على مقر رئاسة الجمهورية، في دلالة على المكانة الوطنية التي يحظى بها هذا الإرث العلمي.
وأوضح مكاي حسن تايسو، في كلمته خلال الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لاكتشاف «توماي»، أن هذا الاكتشاف، الذي تم في صحراء جراب قبل ربع قرن، لا يزال يحتفظ بقيمته العلمية العالمية، إذ يُعد «إنسان الساحل التشادي» (Sahelanthropus tchadensis) أقدم ممثل معروف للسلالة البشرية، وهو ما رسّخ مكانة تشاد باعتبارها إحدى أهم مناطق نشأة الإنسان في العالم.
وأشار إلى أن الأستاذ الراحل ميشيل برونيه كان يردد دائماً أن «كلنا أفارقة، وخارج أفريقيا نحن جمعاً أبناء مهاجرين»، معتبراً أن هذه المقولة تختصر الرسالة الإنسانية التي يحملها اكتشاف «توماي» للبشرية جمعاء.
واستعرض البروفيسور تايسو، مسيرة تكوين الكفاءات الوطنية في هذا المجال، مبيناً أنه كان أول عالم أحياء قديمة تشادي يتلقى تدريباً متخصصاً بمدينة بواتييه الفرنسية قبل خمسة وعشرين عامًا، قبل أن يلتحق به عدد من الباحثين والفنيين التشاديين الذين أسهموا في تطوير البحث العلمي، ومن بينهم ليكوسو أندوسا، وكلاريس نيكولنانغ، وموسى عبد الرحمن، ومحمود آدم، إلى جانب أحونتا، مكتشف جمجمة «توماي».
وأكد أن هذا الفريق الوطني، بالتعاون مع البعثة الفرنسية–التشادية، واصل العمل الميداني والعلمي دون انقطاع، مما مكّن من تحقيق نتائج علمية بارزة، مشيدًا بالدعم الذي قدمه الرئيس الراحل المشير إدريس ديبي إتنو، منذ انطلاق المشروع، ومعتبرًا أن هذا الالتزام يتواصل اليوم بقيادة رئيس الجمهورية المشير محمد إدريس ديبي إتنو.
وأوضح أن تشاد أصبحت تمتلك منظومة علمية متكاملة ومستقلة في مجال علم الأحياء القديمة، تضم باحثين وأساتذة جامعيين، وخبراء في جيولوجيا الترسبات، وفنيين متخصصين في ترميم الأحافير وتحضيرها، إضافة إلى خلية للإعلام العلمي، ترتكز على المركز الوطني للبحوث من أجل التنمية وجامعة انجمينا، مع استمرار التعاون الأكاديمي مع جامعة بواتييه والمتحف الوطني الإثيوبي.
وقال إن هذه القدرات العلمية مكنت الفرق التشادية من تنفيذ بعثاتها البحثية بصورة مستقلة، حتى في ظل تعذر مشاركة الشركاء الأجانب، إلى جانب إعداد جيل جديد من الباحثين عبر برامج الدكتوراه والتكوين المتخصص.
وفي الجانب الإنساني، شدد تايسو على أن “توماي” لم يعد مجرد اكتشاف علمي، بل أصبح رسالة تحمل معاني السلام والأخوة والأمل، مؤكدًا أنه يذكّر البشرية بوحدة أصلها، ويدعو الشباب الأفريقي إلى الاعتزاز بإرثه الحضاري والثقة بقدرته على بناء المستقبل.
كما ثمّن مساهمة المؤسسات الوطنية والدولية الشريكة، وفي مقدمتها المركز الوطني للبحوث من أجل التنمية، وجامعة أنجمينا، وجامعة بواتييه، فضلاً عن مختلف الجهات التي وفرت الدعم اللوجستي والإداري لإنجاح البعثات العلمية.
وفي ختام كلمته، وجّه البروفيسور تايسو، تحية خاصة إلى علماء الأحياء القديمة والفنيين الميدانيين الذين واجهوا ظروف الصحراء القاسية، وقضوا سنوات طويلة في أعمال التنقيب والتحليل داخل المختبرات، معرباً عن أمله في أن تشهد السنوات المقبلة اكتشافات جديدة تعزز مكانة تشاد العلمية، وتجعل من أرضها مصدراً لمزيد من الكنوز التي لا تزال تخفيها في أعماقها.
كما جدد شكره لرئيس الجمهورية على اهتمامه بالبحث العلمي وحرصه على المشاركة في الاحتفال، رغم ارتباطاته، معتبراً ذلك رسالة دعم قوية للباحثين ولمسيرة العلم في تشاد.
وأكد عالم المستحاثات الفرنسي، البروفيسور ميشيل برونيه، أن اكتشاف «توماي» لم يعد مجرد إنجاز علمي، بل تحول إلى رسالة سلام وإخاء موجهة إلى العالم، ودليل على نجاح التعاون العلمي بين تشاد وفرنسا.
وأوضح أن قصة «توماي» بدأت مع انطلاق تعاون علمي حقيقي بين الباحثين التشاديين والفرنسيين، أثمر عن أحد أهم الاكتشافات في تاريخ علم الإنسان القديم، مؤكدًا أن “توماي” أصبح اليوم رمزاً للإخاء في عالم يعاني من النزاعات والعنف، ورسالة تؤكد وحدة البشرية، مستشهدًا بمقولة الزعيم الراحل نيلسون مانديلا: “لا يولد أحد وفي قلبه كراهية لشخص آخر بسبب لون بشرته أو طبيعة دينه”.
واستعرض برونيه، بدايات رحلته العلمية في تشاد، موضحاً أنه زار البلاد لأول مرة عام 1992م، وأقام تعاونًا مع المركز الوطني لدعم البحوث، قبل أن تنطلق في يناير 1994م، البعثة العلمية التي مهدت لاكتشاف «توماي»، مشيراً إلى أنه آمن منذ البداية بأن أصول البشرية لا تقتصر على شرق الأخدود الإفريقي، وهو ما أثبتته الاكتشافات اللاحقة.
وثمّن الدعم الذي حظيت به البعثة من السلطات التشادية، وعلى رأسها الرئيس الراحل المشير إدريس ديبي إتنو، إلى جانب الدعم الفرنسي بقيادة الرئيس الأسبق جاك شيراك، مؤكدًا أن هذا التعاون كان أساسًا لهذا الإنجاز العلمي العالمي.
وأكد أن صحراء جراب لا تزال تخفي العديد من الأسرار، معرباً عن ثقته بأن السنوات المقبلة ستشهد اكتشافات جديدة بفضل الجيل الجديد من الباحثين التشاديين، قبل أن يصف تشاد بأنها «بلد القلب»، ويجدد التأكيد على أن «توماي» يذكر العالم بأن جميع البشر ينحدرون من أصل إفريقي واحد.
من جانبها، أكدت أمينة الدولة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، الدكتورة خديجة آدم التمير، أن اكتشاف “توماي” قبل خمسة وعشرين عاماً شكّل حدثاً علمياً استثنائياً غيّر مسار أبحاث الحفريات البشرية، ورسّخ مكانة تشاد على الخارطة العلمية العالمية.
وأوضحت أن التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار يحظى بمكانة استراتيجية ضمن سياسات الدولة، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية، وضمن “رؤية تشاد 2023″ والبرنامج السياسي الخماسي، مستعرضة أبرز الإنجازات التي تحققت، وفي مقدمتها تكوين أكثر من 500 أستاذ وباحث، وترقية مئات الأساتذة، وافتتاح مدارس الدكتوراه، وتعزيز برامج تأهيل المكونين.
كما أشادت بالتعاون العلمي بين تشاد وفرنسا، معتبرة أن البعثة الفرنسية التشادية للحفريات البشرية تمثل نموذجًا ناجحاً للشراكة العلمية، وأسهمت في تحقيق اكتشافات عالمية، أبرزها اكتشاف “توماي” عام 2001م، في صحراء جراب.
وأضافت أن المؤتمر الدولي المرتقب في أنجمينا سيشكل منصة لتبادل الخبرات وتعزيز التعاون العلمي وإبراز إسهامات الباحثين التشاديين، مؤكدة أن “توماي” أصبح مرجعاً علمياً عالمياً ورمزاً للفخر الوطني.
بدوره، أكد وزير التنمية السياحية والثقافة والصناعات التقليدية، أبكر روزي تقيل، أن احتفال تشاد باليوم الوطني للتراث، المتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لاكتشاف “توماي”، يجسد اعتزاز الدولة بإرثها الحضاري ومكانتها في تاريخ البشرية.
وأشار إلى أن اختيار “قصر توماي” لاحتضان هذه المناسبة يحمل دلالة وطنية كبيرة، مذكرًا بأن الرئيس الراحل المشير إدريس ديبي إتنو، هو من أطلق اسم “توماي”، الذي يعني “أمل الحياة”، على هذا الاكتشاف.
وأوضح أن رئيس الجمهورية، المشير محمد إدريس ديبي إتنو، أصدر في ديسمبر 2020م، مرسوماً يقضي بتسمية مقر رئاسة الجمهورية بـ “قصر توماي”، تأكيداً على المكانة التاريخية لهذا الرمز الوطني.
وأضاف أن الحكومة تعمل على تعزيز الحضور الدولي للتراث التشادي، مشيراً إلى عرض نسخة مطابقة لجمجمة “توماي” في مقر اليونسكو بباريس، والعمل على عرض نسخة أخرى في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، بالتزامن مع أعمال الجمعية العامة المقبلة.
وأكد مواصلة تنفيذ مشاريع حماية وتثمين موقع اكتشاف “توماي” في صحراء جراب، واستكمال حصر عناصر التراث الثقافي غير المادي، وصيانة المواقع التاريخية، واسترداد الممتلكات الثقافية، وإعداد ملفات جديدة لتسجيل مواقع تشادية على قائمة التراث العالمي، وفي مقدمتها منتزه زكوما الوطني.
وفي ختام كلمته، قدّم الوزير نسخة مطابقة لجمجمة «توماي» إلى رئيس الجمهورية باسم الحكومة والشعب التشادي، معتبراً أنها هدية رمزية تجسد أصالة تاريخ تشاد وغنى تراثها، وستظل شاهدة داخل «قصر توماي» على المكانة الاستثنائية التي تحتلها البلاد في تاريخ البشرية. واسدل الستار على حفل المناسبة بتتويج صورة جماعية,
عبد الباقي الطاهر جبريل












Ajouter un commentaire