في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها تشاد، تتعزز الدعوات إلى تعزيز شمولية المرأة، وتمكينها في مختلف المجالات، باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مجتمع أكثر توازناً وعدالة. فقد أثبتت المرأة التشادية حضورها الفاعل في مختلف القطاعات، رغم التحديات البنيوية والاجتماعية التي ما تزال تعيق مشاركتها الكاملة في الحياة العامة.

شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظا في حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة، من خلال تعيينها في مناصب وزارية وإدارية، ومشاركتها في المجالس المنتخبة، ما يعكس إرادة متزايدة لتعزيز تمثيل النساء في مراكز صنع القرار. ورغم هذه المكاسب، لا تزال نسبة المشاركة دون الطموحات، ما يستدعي مواصلة الإصلاحات، وتفعيل السياسات التحفيزية لضمان تمثيل عادل وفعّال.
اقتصاديا، تمثل النساء قوة إنتاجية مهمة، خاصة في مجالات الزراعة وتربية المواشي، والتجارة الصغيرة والصناعات التقليدية، حيث تقوم بدور أساسي في دعم دخل الأسرة، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي. غير أن محدودية الوصول إلى التمويل، وضعف برامج التكوين المهني، وقلة فرص العمل في القطاع الرسمي، تبقى من أبرز التحديات التي تواجه النساء الراغبات في تطوير مشاريعهن، وتحقيق استقلاليتهن الاقتصادية.
التعليم يشكل حجر الأساس لأي عملية تمكين حقيقية. ورغم التحسن الملحوظ في نسب التمدرس في المرحلة الابتدائية، لا تزال معدلات التسرب المدرسي مرتفعة في بعض المناطق، بسبب الفقر والزواج المبكر، وبعد المؤسسات التعليمية عن التجمعات السكانية الريفية. وأن الاستثمار في تعليم الفتيات ينعكس مباشرة على الصحة والاستقرار الأسري والنمو الاقتصادي.
على الصعيد الاجتماعي والقانوني، تعمل منظمات المجتمع المدني، بالتعاون مع السلطات العمومية، على تعزيز ثقافة المساواة، ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب نشر الوعي بالحقوق القانونية للمرأة. ورغم التطورات التشريعية، يبقى تغيير العقليات المجتمعية التحدي الأكبر لتحقيق شمولية حقيقية.
تكتسب قضية شمولية المرأة في المناطق الريفية أهمية خاصة، نظراً لما تمثله هذه الفئة من نسبة كبيرة من السكان، ولدورها الحيوي في الاقتصاد المحلي والأسري. ففي القرى والأرياف، تقوم المرأة بمهام متعددة تشمل الزراعة التقليدية، وتربية المواشي، وجمع الحطب والمياه، إضافة إلى مسؤولياتها الأسرية اليومية، وتواجه تحديات مضاعفة من ضعف البنية التحتية، وقلة المرافق الصحية والتعليمية، وصعوبة الوصول إلى التمويل والخدمات المصرفية. غير أن مبادرات حكومية ومدنية بدأت تعزز تمكين المرأة الريفية عبر برامج التمويل الصغير، والتعاونيات النسوية، ودورات التكوين في مجالات الزراعة الحديثة والصناعات الغذائية المحلية، مع ضرورة توسيع هذه المبادرات لضمان وصولها إلى أبعد القرى والمناطق النائية.
في المدن الكبرى، تمكنت النساء من اقتحام مجالات الإدارة وريادة الأعمال والعمل المدني، مستفيدات من التعليم والتكوين، في حين تكافح أخريات في الأرياف لتأمين مقومات الحياة الأساسية، وتحمل أعباء الأسرة والعمل دون دعم مؤسسي كافٍ. هذا التفاوت يسلط الضوء على أهمية الشمولية داخل قضايا المرأة نفسها، بحيث تشمل البرامج جميع الفئات، بما في ذلك الشابات، والأرامل، والمعاقات، والنساء محدودات الدخل، والنازحات.
وخلال السنوات الماضية، حققت المرأة التشادية تقدماً ملحوظا على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي. فقد عززت الدولة مشاركتها في مواقع صنع القرار من خلال اعتماد نسبة لا تقل عن 30٪ للنساء، في قوائم الترشيح للانتخابات التشريعية والمحلية، وإصدار مرسوم للوقاية من العنف ضد المرأة والفتيات، مما ساهم في توسيع تمثيلها داخل المؤسسات وتعزيز حضورها في الفضاء العام. اقتصادياً، برزت نساء في ريادة الأعمال، أسسن تعاونيات ومشاريع صغيرة وفرت فرص عمل، وساهمت في تحسين الظروف المعيشية للأسر، واستفدن من برامج التدريب المهني ومحو الأمية لتعزيز تمكينهن الاجتماعي والاقتصادي.
أما في المجالات غير التقليدية، فقد حققت المرأة اختراقات نوعية، من بينها بروز نماذج نسائية في قطاع الطيران، مثل القبطان زينب عيسى أوكي إسماعيل، كما حققت المرأة التشادية حضوراً مميزا في المحافل الدولية من خلال الأعمال الفنية والسينمائية، التي سلطت الضوء على دورها في المجتمع. كما اثبتت حضورها في المجال الرياضي حيث سجلت فريق كرة قدم النسائية، بطولات تاريخية على المستوى الافريقي. ومع استمرار التحديات مثل محدودية فرص التعليم في بعض المناطق الريفية والزواج المبكر، تعكس المؤشرات الأخيرة تقدماً تدريجياً يعزز مكانة المرأة كشريك أساسي في مسيرة التنمية الوطنية المستدامة، مؤكدة أن تمكينها في جميع المجالات يمثل استثماراً في مستقبل الوطن بأكمله.
ميمونة موسى عبد الكريم












Ajouter un commentaire