Accueil » من التجربة إلى المرجعية: رئيس الوزراء اللا ماي هالينا يوثق فن البروتوكول الجمهوري والدبلوماسية في إصدار يؤرخ للممارسة ويستشرف تحديات المستقبل
ثقافة

من التجربة إلى المرجعية: رئيس الوزراء اللا ماي هالينا يوثق فن البروتوكول الجمهوري والدبلوماسية في إصدار يؤرخ للممارسة ويستشرف تحديات المستقبل

في حدث ثقافي وفكري عكس المكانة المتنامية التي بات يحتلها الإنتاج المعرفي في بناء مؤسسات الدولة، شهدت القاعة الحمراء بالهيئة الوطنية للإعلام السمعي البصري (أوناما)، مساء السبت 11 يوليو 2026، حفل التدشين الرسمي لكتاب «البروتوكول الجمهوري والدبلوماسية من التقاليد الراسخة إلى التحديات المعاصرة»، من تأليف معالي السفير اللاماي هالينا، رئيس الوزراء ،وشارك في حفل التدشين ممثل رئيس مجلس الشيوخ، وممثل رئيس الجمعية الوطنية، وعدد من أعضاء الحكومة، ورؤساء المؤسسات الكبرى بالدورة والبعثات الدبلوماسية والسفراء المعتمدين لدى البلاد، إلى جانب كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، والبرلمانيين، والباحثين، والأساتذة الجامعيين، وطلبة الجامعات، والمهتمين بالشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية، في مشهد عكس الاهتمام الكبير الذي حظي به هذا الإصدار الجديد.

ويعد الكتاب، الذي يقع في 222 صفحة موزعة على ستة فصول، من المؤلفات التشادية المتخصصة التي تناولت البروتوكول الجمهوري والدبلوماسية بمنهج علمي يجمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة العملية، مستندًا إلى تجربة مؤلفه الطويلة في إدارة البروتوكول برئاسة الجمهورية، قبل توليه مسؤوليات حكومية ودبلوماسية رفيعة.

ويقدم المؤلف معالجة شاملة لمفهوم البروتوكول، متتبعًا جذوره التاريخية، وتطوره عبر مختلف المراحل، منذ البلاطات الأوروبية، مرورًا بالثورة الفرنسية، ووصولًا إلى تطور المراسم الجمهورية الحديثة، مع إبراز خصوصية التجربة الإفريقية، والتجربة التشادية على وجه الخصوص.

كما يتناول الكتاب القواعد المنظمة للمراسم الرسمية، وترتيب الأسبقية، وإدارة الزيارات الرسمية، وتنظيم المؤتمرات والقمم الدولية، وأساليب التواصل الدبلوماسي، إضافة إلى تأثير الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي ووسائل الاتصال الحديثة على الممارسة البروتوكولية في العصر الراهن.

واكتسب الإصدار أهمية إضافية بعدما تفضل فخامة المشير محمد إدريس ديبي إتنو، رئيس الجمهورية رأس الدولة، بكتابة مقدمة الكتاب، التي جاءت بمثابة رؤية سياسية وفكرية تؤكد المكانة الاستراتيجية للبروتوكول في بناء الدولة الحديثة.

وأكد رئيس الجمهورية في مقدمته أن تجارب الأمم تثبت أن أي نهضة حقيقية لا تتحقق إلا من خلال تنظيم السلطة وإدارتها وفق أسس مؤسساتية راسخة، مشددًا على أن البروتوكول الرسمي لم يعد مجرد قواعد شكلية، وإنما أصبح وسيلة لحماية السيادة الوطنية وتجسيد هيبة الدولة وتعزيز حضورها الدولي.

وأشار إلى أن العالم يشهد تحولات متسارعة وتحديات أمنية وسياسية غير مسبوقة، الأمر الذي يجعل من الإلمام بقواعد البروتوكول ضرورة استراتيجية تتجاوز البعد التنظيمي إلى حماية مؤسسات الدولة وترسيخ شرعيتها.

وأشاد رئيس الجمهورية بالمؤلف، معتبرًا أن الكتاب لا يقتصر على عرض الأعراف البروتوكولية، بل يطرح قراءة عميقة لأسس الممارسة الدبلوماسية، ويفتح باب النقاش حول مستقبل البروتوكول في ظل التحولات العالمية.

كما أبرز في مقدمته ما وصفه بأحد أهم عناصر الابتكار في الكتاب، والمتمثل في تطوير مفهوم “البروتوكول الرسمي للدولة في زمن الحرب”، مستلهمًا التجربة التشادية، ومؤكدًا أن البروتوكول يتحول في أوقات الأزمات إلى أداة استراتيجية لضمان استمرارية الدولة والمحافظة على شرعية مؤسساتها.

وخلال كلمته في حفل التدشين، أوضح رئيس الوزراء السفير اللاماي هالينا أن فكرة تأليف الكتاب لم تولد بين ليلة وضحاها، وإنما جاءت ثمرة سنوات طويلة من العمل والتأمل، بعد أن قضيت أكثر من عشرات السنين في خدمة البروتوكول الجمهوري، وخاصة خلال توليه منصب المدير العام للبروتوكول برئاسة الجمهورية بين عامي 2010 و2020.

وقال إن المشروع بدأ بفكرة إعداد دليل مبسط يعرف الجمهور بمهنة البروتوكول، قبل أن يتطور تدريجيًا إلى مشروع علمي متكامل يعالج تاريخ البروتوكول، وأبعاده القانونية وتطوره، والتحديات التي تواجهه في العصر الحديث.

وأضاف أن تجربته المهنية، واحتكاكه المستمر برؤساء الدول والحكومات والمنظمات الدولية، إضافة إلى علاقات التعاون التي جمعته بالعاملين في مجال البروتوكول في مختلف دول العالم، أسهمت في توسيع رؤيته ودفعته إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم التي تلقاها خلال تكوينه الأكاديمي بالمعهد الدولي للعلاقات الدولية بالكاميرون.

وأكد أن هدف من الكتاب لم يعد يقتصر على التعريف بالمهنة، وإنما أصبح يسعى إلى الإسهام في النقاش العلمي حول البروتوكول الجمهوري، وتوثيق تطوره التاريخي، وتحليل التحديات الجديدة التي فرضتها التحولات الدولية.

وأشار إلى أن الكتاب اعتمد على عدد كبير من المراجع المتخصصة، واستفاد من مؤلفات دبلوماسيين وباحثين عالميين في مجال البروتوكول، إلى جانب التجربة الشخصية للمؤلف، وهو ما منح العمل بعدًا أكاديميًا وتطبيقيًا في آن واحد.

وتوقف رئيس الوزراء مطولًا عند التحولات التي يشهدها العمل البروتوكولي في ظل الثورة الرقمية، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي ووسائل الاتصال الحديثة أحدثت تغيرًا جذريًا في طبيعة العمل الدبلوماسي.

وأوضح أن الموظف الذي كان ينتقل في السابق لمعاينة مواقع الفعاليات أصبح اليوم يعتمد على الهواتف الذكية، وتطبيقات الاتصال الفوري، والصور والفيديوهات التي تنقل كل التفاصيل لحظة بلحظة، وهو ما يفرض على العاملين في مجال البروتوكول مواكبة هذه التحولات.

وشدد على أن البروتوكول علم حي ومتجدد، يتطور مع تطور المجتمعات، ولا يمكن أن يبقى أسيرًا للممارسات التقليدية، لكنه في الوقت ذاته لا ينبغي أن يقطع صلته بجذوره التاريخية التي تشكل أساسه الفكري والمؤسسي.

كما وجه رسالة إلى الشباب الراغبين في الالتحاق بالسلك الدبلوماسي، دعاهم فيها إلى تطوير معارفهم ومهاراتهم، ومواكبة المتغيرات التكنولوجية، مؤكدًا أن مستقبل البروتوكول سيكون مرتبطًا بقدرة العاملين فيه على التكيف مع أدوات العصر.

وشهدت جلسة التدشين سلسلة من المداخلات والنقاشات العلمية، أجمع خلالها المتحدثون على أن الكتاب يمثل إضافة نوعية للمكتبة التشادية والإفريقية، لما يتضمنه من معالجة علمية رصينة تجمع بين التأصيل النظري والخبرة التطبيقية.

 

وأكد المتدخلون أن البروتوكول لم يعد مجرد قواعد لتنظيم المراسم، وإنما أصبح أحد عناصر القوة الناعمة للدولة، وأداة لترسيخ الانضباط المؤسسي، وتعزيز صورة الدولة، وتطوير الأداء الدبلوماسي والإداري.

كما نوه المشاركون بقدرة المؤلف على الربط بين احترام التقاليد الدبلوماسية الراسخة والانفتاح على متطلبات العصر، مع تقديم رؤية متوازنة تراعي خصوصيات الدول الإفريقية وتستجيب للتحولات العالمية.

ونشير الي أن هذا الإصدار يؤكد أن البروتوكول الجمهوري ليس مجرد تنظيم للمراسم أو إدارة للحفلات الرسمية كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل هو منظومة متكاملة لإدارة الدولة، وحماية هيبتها، وترسيخ شرعية مؤسساتها، وتنظيم علاقاتها الداخلية والخارجية، وفي الظروف الاستثنائية التي تواجهها الدول، ولا سيما في أوقات الأزمات والحروب، يتحول رجال البروتوكول إلى جزء من منظومة الدفاع عن الدولة واستمرارية مؤسساتها، فيواصلون أداء مهامهم إلى جانب مختلف الأجهزة الوطنية، وقد تفرض عليهم الضرورة حمل السلاح دفاعًا عن الوطن، في تجسيد لحقيقة أن خدمة الدولة مسؤولية شاملة تتجاوز حدود المراسم إلى حماية السيادة وصون الكرامة.

واختُتمت مراسم التدشين بتوقيع رئيس الوزراء السفير اللاماي  هالينا نسخًا من كتابه للحضور، وسط اهتمام كبير من الدبلوماسيين والباحثين والطلاب.

 

عيسى أبكر موسى

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire