تظلّ ولاية البحيرة إحدى أبرز بؤر انعدام الأمن في تشاد، فمنذ أكثر من عقد، أحدثت اعتداءات جماعة بوكو حرام اضطرابا عميقا في الحياة اليومية للسكان، ودمرت سبل العيش، وأدت إلى نزوح آلاف الأسر، وأضعفت النسيج الاجتماعي بشكل مستدام، واستجابة لهذه الأزمة، أطلقت الحكومة التشادية برنامج نزع السلاح، وفك الارتباط، وإعادة الإدماج، والمصالحة (DDRR)، وهي مبادرة تهدف إلى منح فرصة ثانية لمن يتخلون عن العنف، مع إرساء أسس سلام دائم.
وقد أكدت المائدة المستديرة، التي نُظِّمت في 27 يوليو 2026م، بمشاركة الشركاء الفنيين والماليين، حقيقة أساسية مفادها أن السلام له كلفة، ويُقدر تمويل هذا البرنامج بنحو 19 مليار فرنك سيفا، ويرتكز على 11 محورا استراتيجيا، من بينها: نزع سلاح المقاتلين السابقين، وإعادة إدماجهم اجتماعيا واقتصاديا، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وحماية النساء والأطفال، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز الحوكمة المحلية، وتنمية القدرة المجتمعية على الصمود.
وقد نجحت تشاد بالفعل في تعبئة 10٪ من إجمالي التمويل، بما يعكس إرادتها السياسية لتحمل نصيبها الكامل من المسؤولية، كما أعلنت كل من إسبانيا وهولندا عن مساهمات تمثل 8٪ من الميزانية، ورغم هذه الالتزامات المشجعة، لا يزال 82٪ من الموارد المطلوبة بحاجة إلى التمويل، وهو ما يشكل اليوم العقبة الرئيسية أمام التنفيذ الكامل للبرنامج.
ومع ذلك، تُظهر النتائج الأولية أن هذه المقاربة تحقق آثارا ملموسة، فقد غادر أكثر من 5,400 من الأعضاء أو المنتسبين السابقين إلى جماعة بوكو حرام، صفوف هذه الجماعات المسلحة، ويعيشون حاليا داخل مجتمعاتهم في ولاية البحيرة، كما يبدي مقاتلون آخرون استعدادهم لإلقاء السلاح متى توفرت لهم فرصة حقيقية لإعادة الإدماج، واستمرار حالات الانشقاق يؤكد أن الأمل في حياة جديدة قد يكون بديلا أقوى من منطق العنف.
غير أن هذه الديناميكية لا تزال هشة، فغياب التكوين المهني، وفرص العمل، والدعم النفسي، والآفاق الاقتصادية قد يدفع المقاتلين السابقين إلى العودة إلى الشبكات الإجرامية أو الالتحاق مجددا بالجماعات المتطرفة، كما أن المجتمعات المستقبلة، التي أنهكتها سنوات الصراع، تحتاج هي الأخرى إلى دعم كبير لتفادي الإحباطات، والتوترات الاجتماعية، والمخاطر بشتى اشكالها.
إن برنامج (DDRR) ليس مجرد عملية لإعادة الإدماج، بل يمثل استثمارا استراتيجيا في الأمن الوطني، والاستقرار الإقليمي، والوقاية من التطرف العنيف، فكل مقاتل سابق يُعاد إدماجه يعني سلاحا أقل في ساحة القتال، وأسرة أُعيد بناؤها، ومجتمعا أكثر قوة في مواجهة التهديدات الأمنية.
يعتمد مستقبل هذه المبادرة الآن على تعبئة جماعية، وحث الشركاء الفنيين والماليين إلى تحويل تعهداتهم إلى تمويلات فعلية، ذلك أن تكلفة الوقاية تظل أقل بكثير من تكلفة النزاعات الممتدة، إن دعم برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDRR) يعني الاستثمار في السلام، وتعزيز الاستقرار في حوض بحيرة تشاد، ومنح آلاف النساء والرجال والأطفال الأمل في مستقبل خال من العنف.
التحرير









Ajouter un commentaire