أعاد الظهور الأخير للنائب البرلماني تاكيلال أندولسيم، الذي تحدث فيه عن مساعيه للحصول على مقابلة رئيس الجمهورية، إحياء نقاش مهم حول مسؤولية الفاعلين السياسيين في تواصلهم مع الرأي العام، فبعيداً عن الجدل الذي أثارته هذه القضية، يطرح هذا الحدث سؤالاً جوهريا: كيف يُمكن مخاطبة أعلى سلطات الدولة، من دون تجاوز الحدود الفاصلة بين التواصل السياسي، والمطالب الشخصية، والمصلحة العامة؟

فمن خلال ظهوره وتصريحاته على الملأ أنه وجه عدة مراسلات إلى رئيس الدولة لم يتلقَ بشأنها أي رد، وادعائه أن أشخاصاً قيل إنهم مقربون من رئاسة الجمهورية طلبوا منه مبلغاً مالياً لتسهيل حصوله على مقابلة مع رئيس الجمهورية، اختار النائب البرلماني عرض القضية أمام الرأي العام، وهذه التصريحات، التي جاءت خارج الأطر المؤسسية المخصصة لمعالجة مثل هذه القضايا، تثير تساؤلات حول مقتضيات المسؤولية وأخلاقيات العمل العام التي ينبغي أن ترافق خطاب أي نائب منتخب.
وفي دولة القانون، فإن أي مسؤول عمومي يرى أنه تعرض لخلل إداري أو لممارسات تستوجب المساءلة، تتوفر له قنوات مؤسسية تتيح له المطالبة بحقوقه، فالجهات المختصة، والإدارات المعنية، أو القضاء عند الاقتضاء، هي الأطر المناسبة للنظر في مثل هذه الادعاءات، أما وسائل التواصل الاجتماعي، رغم سرعتها الهائلة وقدرتها الواسعة على نشر المعلومات، فلا يمكن أن تحل محل الآليات التي حددتها مؤسسات الدولة.
إن كلام المسؤول السياسي لا يخصه وحده، بل ينعكس على مصداقيته، ويؤثر في الرأي العام، وقد ينعكس كذلك على صورة المؤسسات التي يمثلها، وفي العصر الرقمي، يُمكن لأي منشور أن يُعاد تداوله، أو التعليق عليه، أو تحريفه، أو توظيفه لأغراض مختلفة خلال دقائق معدودة، وقد زاد انتشار الذكاء الاصطناعي من تعقيد هذا الواقع، إذ أصبح يسهل التلاعب بالمحتوى ونشر روايات يصعب أحياناً التمييز فيها بين الحقيقة وعكسها.
ومع ذلك، سيكون من غير المنصف حصر هذا النقاش في حالة واحدة فقط، فتصريحات بعض المسؤولين السياسيين والإداريين أصبحت، بشكل متكرر، تثير الجدل، وتوحي أحياناً بأن الخلافات الداخلية باتت تُحسم أمام أنظار مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، ومن شأن هذا التوجه أن يضعف هيبة المؤسسات، ويزيد من حالة عدم الثقة لدى شريحة من الرأي العام، التي تبدي قلقا بشأن جودة الحوكمة والإدارة العامة.
وفي بيئة تنتقل فيها المعلومات بسرعة غير مسبوقة، لم يعد التواصل السياسي مجالاً للارتجال، فكل تصريح يصدر عن مسؤول يحمّله مسؤولية شخصية، وغالباً ما ينعكس على المؤسسة التي يمثلها، واليوم، أكثر من أي وقت مضى، أصبحت مصداقية الشخصيات العامة مرهونة بقدرتهم على اعتماد القنوات المؤسسية، والتحلي بضبط النفس، وتغليب المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية.
إن حيوية النقاش الديمقراطي لا تُقاس بعدد المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما بجودة الحوار، واحترام المؤسسات، والثقة التي يضعها المواطنون فيمن يتولون خدمتهم، ففي الجمهورية، تظل مسؤولية الكلمة العامة أحد أهم الواجبات الملقاة على عاتق كل من يتولى مسؤولية باسم الأمة.
التحرير










Ajouter un commentaire