على أطراف مدينة أنجمينا يمضي جيمرامبي بيرنار، البالغ من العمر أربعة وسبعين عاما، يومه بين الطين ولهيب النار، في مهنة تقليدية علمته الصبر، قبل أن توفّر له مورد رزق، فمنذ أكثر من اثنين وعشرين عاما، ارتبطت حياته بمهنة صناعة الطوب المحروق (الأحمر) المستخدم في بناء المنازل، وهي حرفة ما تزال تشكل ركيزة أساسية للعمران في البلاد.

دخل جيمرامبي بيرنار هذا المجال في سن مبكرة، حين بدأ مساعدا في جمع الطين وترتيب قوالب الطوب استعدادا لمرحلة الحرق، ومع مرور الوقت، تحصل على الخبرة المهنية التي جعلته يتحول من عامل بسيط إلى المسئول الأول عن موقع العمل، حيث يعتمد عليه السكان لشراء طوبه المتين الذي يناسب امكانياتهم المادية، ويختصر بيرنار فلسفته في العمل بعبارة يرددها دائما: “البيت يبدأ من هنا”، وهو يشير إلى صفوف الطوب تحت أشعة الشمس في انتظار الحرق.
ويشرح جيمرامبي أن صناعة الطوب تمر بمراحل دقيقة تبدأ باختيار الطين المناسب، وخلطه بالماء والعشب، ثم تشكيله في قوالب تُترك لتجف، قبل إدخالها مرحلة الحرق التي تستغرق وقتا طويل، وتُجرى باستخدام وقود تقليدي مثل “الدوم”, مشيراٍ إلى أن التعامل مع النار يتطلب دقة وخبرة، إذ أن أي خطأ في الترتيب أو التوقيت قد يؤدي إلى إتلاف كمية كاملة من الطوب، ورغم الدخان الكثيف والمخاطر الصحية المصاحبة، يواصل عمله مدركا أن ما يصنعه سيتحول لاحقا إلى بيوت تؤوي عائلات كاملة.
يعمل جيمرامبي ضمن مجموعة من العمال يتقاضون عن الطوبة الواحدة نحو 100 فرنك سيفا، (20ريال) ومن هذا الدخل البسيط، يعيل أسرته بالكامل، بدء من دفع إيجار المنزل، مروراً بتعليم أبنائه، وصولا إلى توفير متطلبات الحياة اليومية من أكل وشرب، ويؤكد أن هذه الحرفة تمثل مصدر رزقهم الوحيد، خاصة بعد اضطراره إلى ترك الدراسة في سن مبكرة.
ورغم الأهمية الاجتماعية لهذه المهنة، يواجه جيمرامبي بيرنار وزملاؤه تحديات عديدة، أبرزها غياب الدعم الرسمي، فضلا عن الأضرار الصحية والبيئية الناتجة عن أساليب الحرق التقليدية، ويعبر عن شعوره بالأسف لكونهم غير تابعين لأي جهة رسمية، ولا تحظى مهنتهم باعتراف محلي، مشيرا إلى أن تجاهل السلطات والجمعيات لوضعهم مؤلم، رغم دورهم الواضح في التخفيف من أزمة السكن، لا سيما في ظل الارتفاع الكبير لأسعار الإسمنت.
ويضيف أن مجموعتهم اختارت هذا المكان وبدأت العمل فيه بإمكانات ذاتية، معتمدين على جهودهم الشخصية. وخلال موسم الخريف، يتوقفون عن صناعة الطوب ويتجهون إلى الزراعة، قبل أن يعودوا إلى مهنتهم في بقية فصول السنة.
قصة جيمرامبي ليست حالة فردية، بل تعكس واقعاً لآلاف الحرفيين في البلاد، الذين يشيدون المدن، ويقفون خلف المشهد العمراني بصمت، مطالبين فقط بالأمن والاستقرار، وفرصة للعيش الكريم.
كبري محمد سراج الدين \فاطمة ام الحسن محمد طاهر(متدربة)











Ajouter un commentaire