Accueil » من الاستقلال إلى بناء الدولة.. أكثر من ستة عقود من التحولات السياسية في البلاد
تشاد

من الاستقلال إلى بناء الدولة.. أكثر من ستة عقود من التحولات السياسية في البلاد

منذ استقلالها في 11 أغسطس 1960م، عاشت تشاد مساراً سياسياً حافلاً بالتحولات، تعاقبت خلاله أنظمة مختلفة بين الحكم المدني والعسكري والمراحل الانتقالية. وقد طبعت الانقلابات والصراعات الداخلية ومحاولات بناء مؤسسات الدولة مسيرة البلاد الحديثة. وفيما يلي أبرز محطات رؤساء الدولة منذ الاستقلال:

مؤسس الدولة المستقلة:
انقارتا تومبالباي (1960–1975)
مع بزوغ فجر الاستقلال، ورث انقارتا تومبالباي دولةً فتية تواجه تحدياً مصيرياً يتمثل في ترسيخ الوحدة الوطنية. وبعد انتخابه أول رئيس لجمهورية تشاد، شرع في إرساء مؤسسات الدولة وتعزيز هيبتها وترسيخ سلطة الحكومة المركزية.، غير أن نهجه السياسي اتجه تدريجياً نحو التشدد، فتم التخلي عن التعددية السياسية لصالح نظام الحزب الواحد، وأُقصي المعارضون تباعاً من المشهد السياسي.
وفي شمال البلاد، أسهمت حالة التهميش والاحتقان في تأجيج التمردات المسلحة التي أفضت إلى تأسيس جبهة التحرير الوطنية التشادية (فرولينا) عام 1966م. ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وتدهور الوضع الأمني، أُطيح بانقارتا تومبالباي في انقلاب عسكري وقع في 13 أبريل 1975م، منهياً خمسة عشر عاماً من الحكم.
الجنرال فيليكس مالوم: في مواجهة حرب أهلية مستمرة
في أعقاب الانقلاب العسكري، تولى الجنرال فيليكس مالوم قيادة البلاد واضعاً نصب عينيه هدف إعادة السلام والاستقرار. وسعت حكومته إلى فتح قنوات للحوار مع الحركات المتمردة وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة. إلا أن الانقسامات السياسية والعسكرية ازدادت حدة، ولم يكن تعيين حسين هبري رئيساً للوزراء كافياً لاحتواء التوترات.
وسرعان ما انزلقت البلاد إلى أزمة جديدة نتيجة المواجهات بين الفصائل المسلحة المختلفة، لتنتهي هذه المرحلة بانهيار النظام عام 1979م، فاتحةً واحدة من أكثر الفترات اضطراباً وتقلباً في تاريخ تشاد الحديث.
لول محمد شوا: في مواجهة تعثر المفاوضات
خلال سنوات الحرب الأهلية، برز لول محمد شوا، كأحد القيادات البارزة في الحركة الشعبية لتحرير تشاد (MPLT) التي كانت تنشط في منطقة بحيرة تشاد. وفي 29 أبريل/نيسان 1976م، وعلى إثر التسوية التي تم التوصل إليها بين القوات المسلحة الشمالية (FAN) بقيادة حسين هبري، والقوات المسلحة الشعبية بقيادة قوكوني وداي، خلال مؤتمر كانو الثاني، شُكّلت أول حكومة انتقالية للوحدة الوطنية (GUNT) عقب مغادرة الرئيس فيليكس مالوم للسلطة.
وتولى لول محمد شوا مهام رئيس الدولة لمدة أربعة أشهر، قبل أن يقدم استقالته في 3 سبتمبر/أيلول 1979م، ليخلفه قوكوني وداي.
قوكوني وداي (1979–1982): وارث دولة منهكة
شهدت تشاد خلال الفترة الممتدة بين عامي 1979م و1982م، تعاقب حكومات انتقالية، كان أبرزها حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية (GUNT)، بقيادة قوكوني وداي، التي سعت إلى إعادة بناء سلطة الدولة المركزية وترسيخ الاستقرار.
غير أن التنافس بين الجماعات المسلحة، والتدخلات الخارجية، واستمرار الصراعات الداخلية، حال دون تحقيق استقرار حقيقي، فظلت الدولة عاجزة عن بسط سلطتها على كامل التراب الوطني. وانتهت هذه المرحلة في يونيو1982م، عندما دخل حسين هبري العاصمة أنجمينا واستولى على السلطة.
حسين هبري (1982م – 1990م) تحولات سياسية وعسكرية فارقة)
في 7 يونيو 1982م، دخلت قوات الشمال المسلحة (FAN) العاصمة أنجمينا بقيادة حسين هبري، لتنتهي بذلك مرحلة حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية (GUNT).
ولتحقيق القبضة الحديدية ومواجهة الخصوم، اتخذت الحكومة الجديدة عدة تدابير، من أبرزها تأسيس إدارة التوثيق والأمن (DDS) عام 1983م، لتأكيد السلطة وتتبع المعارضين، كما تم قمع المعارضة والتمرد الداخلي في جنوب البلاد عام 1984م، في مواجهات عُرفت بـ”سبتمبر الأسود”.
وفي عام 1989م، تم تأسيس حزب الاتحاد الوطني للاستقلال والثورة (UNIR)، كحزب وحيد، كما شهد العام نفسه خلافات حادة بين الرئيس حسين هبري وبعض أبرز القيادات العسكرية، منهم إدريس ديبي إتنو وحسن جاموس، اللذان اضطرا إلى مغادرة البلاد.
وفي الأول من ديسمبر 1990م، نجحت قوات الحركة الوطنية للإنقاذ (MPS)، بقيادة العقيد إدريس ديبي إتنو، في دخول العاصمة أنجمينا، وتأسيس حكومة جديدة، لتنتهي بذلك مرحلة حكم حسين هبري، لتأتي الحركة الوطنية للإنقاذ بالحرية والديمقراطية.
إدريس ديبي إتنو (١٩٩٠م – ٢٠٢١م) ثلاثة عقود على رأس الدولة
بعد وصوله إلى السلطة في الأول من ديسمبر ١٩٩٠م، إثر الهجوم الذي شنته الحركة الوطنية للإنقاذ (MPS)، بدأ إدريس ديبي إتنو، مساراً انتقالياً سياسياً أفضى إلى إرساء نظام التعددية الحزبية، وعقد المؤتمر الوطني السيادي سنة ١٩٩٣م، واعتماد دستور جديد عام ١٩٩٦م، وتنظيم أول انتخابات رئاسية تعددية. وقد أُعيد انتخابه عدة مرات، ليحكم البلاد لأكثر من ثلاثين عاما، ما جعله صاحب أطول فترة حكم في التاريخ السياسي التشادي.
وُلد إدريس ديبي إتنو يوم ١٨ يونيو ١٩٥٢م بمنطقة بردوبا، فيما يُعرف اليوم بولاية إنيدي الشرقية. بدأ مسيرته العسكرية قبل أن يصبح أحد أبرز قادة القوات المسلحة الوطنية التشادية. وبعد خلافه مع الرئيس حسين هبري، أسّس الحركة الوطنية للإنقاذ (MPS)، التي تمكنت من الوصول إلى السلطة في الأول من ديسمبر ١٩٩٠م. وتولى في البداية رئاسة مجلس الدولة، قبل أن يُثبَّت رئيساً للجمهورية عام ١٩٩١م. وفي عام ١٩٩٢م، أعاد العمل بالتعددية الحزبية بعد عقود من نظام الحزب الواحد، ثم انتُخب رئيساً بالاقتراع العام سنة ١٩٩٦م، وأُعيد انتخابه في أعوام ٢٠٠١م، و٢٠٠٦م، و٢٠١١م، و٢٠١٦م، و٢٠٢١م. كما شغل منصب رئيس الاتحاد الإفريقي خلال الفترة من ٢٠١٦م إلى ٢٠١٧م.
واتسمت فترة حكمه بالتمرد والصراعات المسلحة، من أبرزها تمرد حركة الديمقراطية والعدالة في تشاد (MDJT)، بين عامي ١٩٩٨م و٢٠٠٢م، والحرب الأهلية التشادية خلال الفترة الممتدة من ٢٠٠٥م إلى ٢٠١٠م. ورغم هذه الأزمات، تمكن نظامه من الصمود وتعزيز الدور الإقليمي لتشاد في القضايا الأمنية.
وفي أغسطس ٢٠٢٠م، منحته الجمعية الوطنية، رتبة مشير تشاد تقديراً لدوره في العمليات العسكرية ضد جماعة بوكو حرام الإرهابية. وبعد إعادة انتخابه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في أبريل ٢٠٢١م، أُصيب بجراح أثناء توجهه إلى مواقع القوات التي كانت تقاتل متمردي جبهة التناوب والوفاق في تشاد (FACT) شمال البلاد، قبل أن يتوفى يوم ٢٠ أبريل ٢٠٢١م. وعقب وفاته، تولى نجله محمد إدريس ديبي إتنو، رئاسة المجلس العسكري الانتقالي لإدارة شؤون الدولة.
محمد إدريس ديبي إتنو (٢٠٢١م – إلى اليوم): مرحلة انتقال عسكري نحو العودة إلى النظام الدستوري
عقب وفاة الرئيس إدريس ديبي إتنو يوم ٢٠ أبريل ٢٠٢١م، أُنشئ المجلس العسكري الانتقالي (CMT) برئاسة الفريق محمد إدريس ديبي إتنو، وتميزت هذه المرحلة الانتقالية بتنظيم الحوار الوطني الشامل والسيادي (DNIS)، وإعداد دستور جديد أُقر عبر استفتاء في ديسمبر ٢٠٢٣م، إلى جانب التحضير للعودة إلى النظام الدستوري. وأسفرت الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو ٢٠٢٤م، عن تنصيب محمد إدريس ديبي إتنو رئيساً للجمهورية، وتعتبر السلطات هذا الاقتراع تتويجاً لمسار المرحلة الانتقالية.
وتجعل الحكومة من تعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ الأمن، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتنويع الاقتصاد، وتحسين الظروف المعيشية للسكان ضمن أولوياتها الرئيسية. وبعد أكثر من ستين عاماً على الاستقلال، تواصل تشاد مسارها نحو تحقيق الاستقرار السياسي، والسلام الدائم، والتنمية، في ظل تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية متواصلة.
وُلد محمد إدريس ديبي إتنو يوم ٤ أبريل ١٩٨٤م، بدأ تعليمه داخل البلاد، ثم انتقل إلى فرنسا، قبل أن يواصل مسيرته العسكرية ويلتحق بالقوات المسلحة التشادية. وعمل خصوصاً ضمن الإدارة العامة لأجهزة أمن مؤسسات الدولة (DGSSIE)، حيث تقلد عدة مسؤوليات ميدانية.
وشارك في عدد من الحملات العسكرية ضد الجماعات المتمردة، ولا سيما في الدفاع عن أنجمينا عام ٢٠٠٦م، ومعركة أم دم عام ٢٠٠٩م، والعمليات العسكرية المنفذة شمال مالي عام ٢٠١٣م، في إطار التدخل الإفريقي ضد الجماعات المسلحة. وخلال مسيرته العسكرية، تدرج في الرتب، حيث رُقي إلى رتبة عميد عام ٢٠٠٩م، ثم إلى فريق عام ٢٠١٨م، ثم إلى رتبة فريق أول عام ٢٠٢١م، قبل أن يُرقّى إلى رتبة مشير في ديسمبر ٢٠٢٤م.
وخلال رئاسته للمجلس العسكري الانتقالي بين عامي ٢٠٢١م و٢٠٢٤م، أشرف على أبرز مراحل الانتقال السياسي. ومنذ تنصيبه رئيساً للجمهورية، تركزت جهوده على مواصلة تعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ الأمن الوطني، وتنفيذ الإصلاحات التي أُطلقت خلال المرحلة الانتقالية.

عبد الباقي الطاهر جبريل

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire