تستحق المبادرات المحلية للتنمية التشجيع والدعم، فالشعوب التي توصف بالفقيرة، بما تمتلكه من عقل وذكاء وأيدٍ عاملة، ليست عاجزة بأي حال من الأحوال، فبقليل من الإرادة والتنظيم والتضامن، يمكنها تحقيق إنجازات كبيرة، وكسر دائرة الفقر، والتدرج نحو الاكتفاء وتحسين ظروف العيش.

وتتعدد الأمثلة على ذلك؛ ففي الأرياف، يتم إنشاء المدارس والمراكز الصحية والتجمعات القروية بفضل الانخراط المباشر للمجتمعات المحلية، وتعكس هذه الجهود وعياً جماعياً متزايداً بضرورة أن تتولى الشعوب زمام مصيرها بنفسها.
وفي هذا السياق تندرج مبادرة المجلس الولايي لشاري الاوسط، الذي أطلق حملة لجمع مبلغ 100 فرنك سيفا من نساء الولاية، للمساهمة في إعادة تأهيل الثانوية النسوية بمدينة سار، وفي ظل محدودية التمويلات العمومية، تهدف هذه الخطوة إلى توفير بيئة تعليمية أفضل للفتيات وضمان تعليم نوعي.
وقد لقيت هذه المبادرة ترحيباً واسعاً من السكان ومن أبناء المنطقة في الخارج، حيث بدأت بالفعل تخلق موجة تضامن مهمة، كما يجري التفكير في وضع آليات لضمان الشفافية في تسيير الأموال التي سيتم جمعها.
ورغم أنه لا يزال من المبكر تقييم الأثر الحقيقي لهذه المبادرة، فإن الفكرة تبقى إيجابية وجديرة بالتعميم في مختلف أنحاء البلاد، ففي ظل النمو الديمغرافي المتسارع وتزايد الاحتياجات الاجتماعية، لا تستطيع الدولة ولا الشركاء الفنيين والماليين وحدهم تلبية جميع تطلعات السكان.
وقد أثبت هذا النهج المجتمعي نجاعته في عدة دول، حيث يُوضع الفاعلون المحليون في صلب سياسات التنمية. فهؤلاء، بحكم معرفتهم الدقيقة بواقع الميدان واحتياجات مجتمعاتهم وأولوياتها، غالباً ما ينخرطون بمسؤولية وفعالية أكبر.
كما تساهم هذه المقاربة في تفكيك الفكرة القائلة إن التنمية لا يمكن أن تتحقق من دون مساعدات خارجية. والحقيقة أن الاعتماد المفرط على المساعدات الدولية قد يكرّس أحياناً نوعاً من الاتكالية، خاصة عندما لا تقدم حلولاً مستدامة للاحتياجات الحقيقية للفئات الهشة.
إن التنمية الحقيقية تبدأ أولاً بتغيير العقليات، وتتطلب محاربة ثقافة السهولة والاعتماد على الغير والتسول. فلا يمكن لأي دعم مالي أن يخرج شعباً من الفقر بشكل دائم، من دون إرادة حقيقية للتغيير وتحمل المسؤولية.
لذلك تبقى أنجع الاستراتيجيات، هي تلك التي تُشرك السكان المحليين بشكل مباشر، وتشجعهم على مواجهة مشاكل مجتمعاتهم بأنفسهم، والعمل على ابتكار حلول مستدامة تتماشى مع واقعهم. فالتنمية لا تُفرض بقرار، بل تُبنى أولاً من القاعدة.
التحرير









Ajouter un commentaire