مرّ خمسة وعشرون عاماً منذ اكتشاف جمجمة أحد أقدم الجنس البشري المعروفين في تشاد، وقد أثمر هذا الاكتشاف، الذي جاء نتيجة أبحاث أجراها فريق من علماء الحفريات والآثار التشاديين والفرنسيين، عن إثارة اهتمام واسع في الأوساط العلمية الوطنية والدولية، حتى أصبحت الأنظار تتجه إلى تشاد، التي تُعدّ قلب إفريقيا، ويُعترف بها اليوم باعتبارها مهد البشرية.
وقد كان «توماي» موضوعاً للعديد من الندوات والمعارض والمنشورات العلمية، كما جاب عدة بلدان قبل أن يُحفظ في فرنسا، حيث يُقال إنه يخضع للحفظ لأسباب تتعلق بالأمن والبحث العلمي، ومنذ ذلك الحين، وفي ظل غياب الأحفورة عن المتحف الوطني، ظل اسمه يتردد باستمرار، ولا سيما في الخطابات الرسمية، حيث يُستحضر في المناسبات الكبرى للتأكيد على أن تشاد هي مهد البشرية.
ومع ذلك، ورغم هذا الاعتراف الدولي وما تبديه النخب من اعتزاز بهذا الاكتشاف، فإن المبادرات الرامية إلى تمكين المواطنين من استيعاب قيمته الحقيقية ما تزال محدودة، فلم يحظَ «توماي» ولا الباحثون الذين أسهموا في اكتشافه بالتقدير الكافي لدى عامة الناس، وغالباً ما يقتصر الحديث عنهم في المؤتمرات أو أثناء الزيارات على سرد قصة تثير الفضول أكثر مما تعزز الوعي والانتماء.
وعندما أطلق الراحل المشير إدريس ديبي إتنو، على هذه الجمجمة اسم «توماي»، الذي يعني باللغة القرعانية «أمل الحياة»، كان يطمح إلى أن تصبح رمزاً للبحث العلمي، وكذلك للسلام والوحدة والتماسك الوطني، غير أن المواطن العادي لا يزال ينظر إلى «توماي» باعتباره اسما مشهورا دون أثر ملموس في حياته اليومية، في حين أن إرثا بهذه القيمة كان ينبغي أن يشكل رافعة قوية للهوية الجماعية والفخر الوطني والتلاحم الاجتماعي، إلا أن تأثيره في المجتمع ما يزال محدودا ويصعب إدراكه، باستثناء الإشارات التي يردّدها المسؤولون السياسيون.
ويُعزى هذا الضعف في التملك المجتمعي أيضاً إلى الغياب الفعلي للأحفورة عن التراب الوطني، فرغم أنها جزء من التراث التشادي، لا تزال محفوظة في فرنسا في إطار مواصلة الأبحاث، من دون الإعلان عن أي موعد رسمي لإعادتها، وقد أوجد هذا الوضع حالة من الانتظار يبدو أنها تطول إلى أجل غير معلوم.
ومع ذلك، فإن اكتشافاً بهذه الأهمية ينبغي أن يحقق لتشاد مكاسب ثقافية وعلمية وتعليمية واقتصادية كبيرة، فوجود «توماي» في المتحف الوطني من شأنه أن يجعل هذا الصرح مركزاً للذاكرة والمعرفة والسياحة، قادراً على استقطاب الباحثين والطلاب والزوار من مختلف أنحاء العالم.
ومن خلال تخصيص اليوم الوطني للتراث تحت شعار: «خمسة وعشرون عاماً على اكتشاف توماي: التراث والذاكرة والهوية الوطنية»، تؤكد تشاد إرادتها في إعادة الاعتبار لهذا الاكتشاف ومنحه مكانته الوطنية الكاملة، فالقضية تتجاوز مجرد الاحتفاء بذكرى سنوية، إذ يتعلق الأمر بإعادة إدماج «توماي» في صميم السردية الوطنية، وجعله تراثاً مشتركاً ورمزاً حياً للهوية التشادية.
وبعد خمسة وعشرين عاماً على اكتشافه، يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل سيظل «توماي» مجرد شاهد عريق على ماضينا، أم يمكن أن يصبح قوةً دافعة لبناء مستقبلنا؟.
التحرير









Ajouter un commentaire