عشية الاحتفال بالذكرى السادسة والستين لاستقلال البلاد، أعلن رئيس الجمهورية، في رسالته إلى الأمة، عن إجراء يقضي بمنح عفو رئاسي لصالح عدد من المواطنين المحكوم عليهم بالسجن، وبعيدا عن نطاقه القانوني، فإن هذه المبادرة تستحق أن ينظر إليها باعتبارها بادرة سياسية من شأنها الإسهام في تهدئة المناخ الاجتماعي والسياسي الوطني.
فالعفو الرئاسي لا يعني محو الإدانة أو إلغاء الحكم، وإنما يتيح ببساطة إعفاء الشخص المحكوم عليه كليا أو جزئيا، من تنفيذ عقوبته، وقد يؤدي، في بعض الأحيان، إلى تخفيض العقوبة أو استبدالها بعقوبة أخرى، ويكتسي هذا التمييز أهمية كبيرة لفهم النطاق الحقيقي للقرار المُعلن عنه.
لكن بعيدا عن الجانب القانوني، فإن الأهم هو الرسالة السياسية التي ينبغي استخلاصها، ففي بلد شهد على امتداد تاريخه، العديد من الأزمات والانقسامات العميقة، فإن كل مبادرة من شأنها أن تسهم في تخفيف التوتر تستحق أن تُدرس بمسؤولية.
إن تشاد بحاجة إلى طي بعض الصفحات المؤلمة، وتهيئة الظروف لإقامة حوار أكثر هدوءً بين مختلف مكوّناتها، وقد ذكّر رئيس الجمهورية، بأن الأمة لا تصبح عظيمة باتساع رقعتها الجغرافية، وإنما بوحدة شعبها، وتكتسب هذه المقولة كامل دلالتها في السياق الراهن.
فالتنوع في الآراء والحساسيات والانتماءات لا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها تهديدا، بل إنها تشكل ثراء، شريطة أن يقبل الجميع بإعلاء المصلحة العامة.
وفي فترات التوتر، لا يمكن للتطرف أن يشكل حلا مستداما، وينبغي لمختلف الفاعلين في الحياة الوطنية، مهما كانت توجهاتهم، أن يكونوا قادرين على تقديم تنازلات دون التفريط في المبادئ، وهذا يقتضي القدرة على الاستماع إلى صوت الشعب، وقبول بعض التنازلات، ووضع المصلحة العليا للأمة فوق المصالح الخاصة.
وهكذا، يمكن فهم العفو الرئاسي باعتباره أداة لتهدئة التوتر، ولا ينبغي تفسيره على أنه ضعف من جانب الدولة، ولا اعتباره حلا نهائيا لمشكلات البلاد، بل ينبغي أن يفتح، بالأحرى، مجالا مواتيا للحوار والمصالحة وتعزيز الثقة.
غير أن التهدئة لا يمكن أن تكون مستدامة من دون وجود عدالة ذات مصداقية، ونزيهة ومنصفة، فالمصالحة لا يمكن أن تعني الإفلات من العقاب، ولذلك، يتعين على تشاد أن توفّق بين التسامح والعدالة والمسؤولية، من أجل وضع حد لتكرار الأزمات.
وعلى البلاد، من الآن فصاعدا، أن تغيّر نهجها، إذ لم يعد الاكتفاء بإدارة حالات الطوارئ كافيا، بل ينبغي العمل على الوقاية من الأزمات، وتعزيز الحوار، وبناء تعايش حقيقي، ومن ثم، فإن اليد الممدودة من رئيس الجمهورية تستدعي استجابة جماعية.
وعلى جميع التشاديين أن يدركوا مسؤوليتهم، ليس من أجل نسيان الخلافات، وإنما من أجل تجاوزها، ذلك أن السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية والازدهار لا يمكن أن تكون من صنع رجل واحد، وإنما تتطلب التزام الجميع.
التحرير










Ajouter un commentaire