في تشاد، ما تزال الكهرباء تُعد رفاهية بالنسبة لغالبية المواطنين. بالرغم من الوعود المتكررة للسلطات الرسمية، ما زالت معاناة السكان تستمر من انقطاعات مفاجئة تشلّ الحياة اليومية. وحتى في انجمينا، العاصمة التي يُفترض أن تكون نموذجا يُحتذى بها، تبدو الأوضاع فوضوية، فقد ذكر رئيس الوزراء، السفير اللا ماي هالينا، خلال استجوابه من قبل مجلس الشيوخ، بأن الإنتاج ارتفع من 100 إلى 305 ميغاواط. وهو تقدم ملحوظ على الورق، لكنه يظلّ غير كاف إلى حدّ كبير أمام طلب متزايد ومتسارع بشكل يومي، لذلك تبقى عمليات انقطاع التيار، الناتجة عن اختلال التوازن بين العرض والطلب، متكررة وغير متوقعة.

ويقر وزير المياه والطاقة، باساليت كانابي مارسيلين، بأن الإنتاج الوطني ما يزال بعيداً عن تلبية الحوجة. ويؤكد ضرورة إنشاء محطات حرارية وشمسية كبرى بقدرة تتراوح بين 50 و150 ميغاواط، إضافة إلى تنويع مصادر الطاقة عبر محطات هجينة أو محطات شمسية مزودة بأنظمة تخزين بالبطاريات. ورغم أهمية هذه المبادرات، فإنها ما تزال مشاريع لم تتجسد بعد على أرض الواقع، ما يترك السكان في حالة من عدم اليقين.
من جانبه، شدد المدير العام لشركة تشاد للكهرباء،الجنرال صالح بن هليكي، على أهمية استباق الطلب المستقبلي من أجل بناء نظام كهربائي قادر على دعم تنمية البلاد لعدة عقود، غير أن تصريحاته المطمئنة على الورق تتناقض مع الواقع الذي يعيشه المواطنون، فأحياء بأكملها تبقى غارقة في الظلام، أحيانا لساعات طويلة، دون إنذار أو تفسير، ورغم أن الكهرباء خدمة أساسية، فإن توزيعها يتم بطريقة غير منتظمة، وغالباً ما يكون «على حساب الزبون»، كما يشتكي العديد من المستخدمين لهذه الطاقة.
ولهذا الوضع عواقب خطيرة، فالأسر تواجه صعوبات في حفظ الأغذية أو حتى في الحصول على الإنارة، والمستشفيات تعمل في ظروف هشة، كما تتعطل الإدارات العامة والأسواق، وتجبر الشركات الصغيرة على تعليق أنشطتها، وتُعد الخسائر الاقتصادية والاجتماعية كبيرة، كما أن المستثمرين يُثنَون بطبيعة الحال عن الاستثمار بسبب خدمة مكلفة وضعيفة المردود. ولم تعد الكهرباء مجرد وسيلة للراحة، بل أصبحت في صميم التنمية البشرية والاقتصادية، فمن دونها لا يمكن تحقيق أي تقدم.
ومع ذلك، تمتلك تشاد موارد طاقة وافرة: الشمسية، والكهرومائية ، والغاز الطبيعي. وإذا أُحسن استغلال هذه الموارد، يمكنها أن تضمن للبلاد استقلالاً في الطاقة، وأن تقلّل من الاعتماد على المولدات الصغيرة المكلفة والملوثة للبيئة، بل وربما تمكّنها من تصدير الطاقة. ومن ثمّ فإن القضية ليست تقنية فحسب، بل هي أيضا سياسية وتنظيمية، فهناك حاجة ملحة لتحسين حوكمة القطاع، وإسناد إدارته إلى جهات كفؤة، ومنحها الوسائل اللازمة للعمل بحرية، كما أن فتح المجال أمام رؤوس الأموال الخاصة، في إطار منافسة سليمة ومبتكرة، قد يشكّل رافعة حاسمة للخروج من هذه الحلقة الفارغة.
بعد عقودٍ من المعاناة والظلام، لم يعد التشاديون يكتفون بالوعود، إنهم يطالبون بخدمة موثوقة، مستمرة وميسورة التكلفة. فالكهرباء ليست ترفاً، بل هي ضرورة لا غنى عنها للحياة الإنسانية، وللتعليم، وللاقتصاد، وللتقدم الوطني، وقد حان الوقت لأن تفسح الأقوال المجال أمام الأفعال، وأن تخرج تشاد أخيراً من «الظلام».
التحرير










Ajouter un commentaire