عقد المجلس الاقتصادي الاجتماعي الثقافي والبيئي، في الفترة من 5 إلى 19 أغسطس 2026م، بأنجمينا، دورته العادية الثانية، التي خُصصت للانتقال الرقمي للإدارة التشادية، وفي ختام أسبوعين من المداولات وتبادل الآراء، هناك سؤال يطرح نفسه: كيف تعتزم الدولة تسريع التحول الرقمي للخدمات العامة دون المساس بموثوقية البيانات؟
إن الرقمنة أصبحت اليوم بنية تحتية غير مرئية للسيادة، فهي تحدد مدى فاعلية أداء مؤسسات الدولة المدنية، وتحصيل الإيرادات الضريبية، وإدارة الموارد البشرية، والتخطيط للسياسات الاجتماعية، غير أن الإدارة التشادية لا تزال تتسم بتعدد وتفاوت أنظمتها: سجلات ورقية، وقواعد بيانات محلية، وجداول بيانات غير موحّدة، وفي هذا السياق، فإن رقمنة هذه المعطيات قد تعني ببساطة نقل الفوضى إلى بيئة جديدة، مع ما يترتب على ذلك من خطر التدهور المستدام لجودة المعلومات العامة، كما أن الرقمنة غير المدروسة، إذا اختُزلت في مجرد عمليات المسح الضوئي، قد تؤدي إلى فقدان الوثائق الأصلية وإضعاف القيمة الثبوتية للوثائق.
وفي ظل غياب نظام موحد، تميل كل جهة إلى تطوير أدواتها الخاصة، مما يؤدي إلى مضاعفة البيانات ويجعل من المستحيل إنتاج إحصاءات موحدة وموثوقة، فخطأ في سجل الحالة المدنية، أو خلل في صرف الرواتب، أو في إصدار مخالصة مالية، يمكن أن يقوض شرعية الخدمة الرقمية العامة، ومن ثم، يصبح من المهم ضمان وجود آليات تتيح التوفيق بين ضرورة السرعة ومتطلبات الموثوقية.
وقبل مضاعفة التطبيقات القطاعية، ينبغي تزويد الدولة بمرجع موحد وآمن للحالة المدنية، والسجل التجاري، والوظيفة العامة، ويجب أن تكون هذه المنظومة متوفرة بالتراب الوطني، وخاضعة لمعايير صارمة للأمن وحماية البيانات، بما يضمن اتساق المعلومات واستمراريتها، وينبغي أن تتم عملية الانتقال من خلال مرحلة توحيد، تُدقَّق خلالها البيانات الموجودة وتُنسَّق وتُعتمد وفق معايير واضحة، أما المرحلة الأخرى، التي تركز على إزالة الطابع المادي عن الوثائق، فتتمثل في إدماج البيانات الموثوقة في الأنظمة الجديدة، وتعتمد عملية الانتقال الناجحة على التدريب المستمر للموظفين، وعلى تمكينهم من استيعاب الأدوات الجديدة، وعلى تطوير الممارسات الإدارية، فالأمر يتعلق بجودة الخدمة المقدمة للمستخدمين، ولا سيما في الإدارات اللامركزية للدولة.
وبعيداً عن البعد التقني، فإن الرهان ذو طبيعة سياسية أيضا، فالبيانات الموثوقة تشكل شرطاً أساسياً لاتخاذ قرارات عمومية مستنيرة، وهي تتيح تخصيص الموارد بدقة في مجالات التعليم والبنية التحتية، كما أنها تعزز الشفافية والمساءلة، وتحد من عمليات الاختلاس، وفي ظل التنافس بين الدول، ليست البنى التحتية الأكثر تطورا هي التي تحقق التفوق بالضرورة، وإنما تلك التي تستند إلى معلومات دقيقة ومتاحة ومحمية.
وعليه، لا ينبغي أن تكون الرقمنة في الإدارة التشادية مجرد سباق، بل يجب أن تكون عملية منسقة، لأن قيمة الدولة الرقمية تُقاس، قبل كل شيء، بمدى موثوقية بياناتها.
التحرير










Ajouter un commentaire