تمتلك البلاد ثروة سياحية وثقافية مهمة، تجعلها قادرة على بناء قطاع سياحي واعد، من مرتفعات تيبستي الشامخة، والواحات والبحيرات، إلى المواقع الأثرية والتاريخية والفضاءات الثقافية التي تعكس تنوع المجتمع الوطني وعمق تاريخه، غير أن الاستفادة من هذه الثروة لا تبدأ بالحملات الإعلانية والترويجية، بل تبدأ بالحفاظ عليها وحمايتها من التدهور والإهمال.
فالترويج لأي موقع سياحي لا يمكن أن يكون فعالاً إذا كان الموقع يفتقر إلى الصيانة أو الأمن أو سهولة الوصول إليه، ومن هنا تظهر الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات في السياسة السياحية للبلاد، بحيث يُصبح الحفاظ على المعالم السياحية خُطوة أساسية تسبق عملية الترويج لها، فالسائح الذي يزور موقعاً مهماً ثم يجده مهملاً أو غير مؤهل للاستقبال، قد يخرج بانطباع سلبي يؤثر في صورة الوجهة السياحية ككل.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الهيئة الوطنية لترقية السياحة والصناعات التقليدية (ONPTA)، باعتبارها أحد الفاعلين الأساسيين في تطوير السياحة والتعريف بالمقومات السياحية في البلاد، ولا ينبغي أن تقتصر مهمته على الترويج للمواقع وجذب السياح، بل يجب أن يرتبط الترويج بمدى جاهزية هذه المواقع وحالتها، فالترويج لمعلم سياحي غير مؤهل أو مهدد بالتدهور قد يؤدي إلى خلق صورة لا تتطابق مع واقع الزائر، ويضعف الثقة في القطاع السياحي.
وتحتاج تشاد إلى إعداد جرد وطني شامل للمعالم والمواقع السياحية، مع تحديد حالتها واحتياجاتها والمخاطر التي تهددها، كما ينبغي وضع برامج منتظمة للصيانة والترميم والحماية، بدلاً من انتظار وقوع الكوارث ثم التدخل بصورة طارئة، وفي المواقع الأثرية يجب أن تتم أعمال الترميم وفق معايير علمية تحافظ على أصالة الموقع، لأن الترميم غير المدروس قد يؤدي إلى فقدان جزء من قيمته التاريخية والثقافية.
وتؤكد حادثة حريق باشقيري أهمية اعتماد سياسة وقائية دائمة، فحماية المواقع تتطلب توفير معدات مكافحة الحرائق، وفحص المنشآت الكهربائية، وإزالة المواد القابلة للاشتعال، وتوفير ممرات لفرق الإنقاذ، إلى جانب تدريب العاملين على التعامل مع حالات الطوارئ وإجلاء الزوار، فالوقاية تظل أقل تكلفة من معالجة الأضرار بعد وقوعها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعالم قد تكون خسارتها نهائية.
كما أن الدولة لا تستطيع تحمل جميع تكاليف الحفاظ على التراث بمفردها ولذلك ينبغي تشجيع الشراكات مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية، والجهات المانحة، والجماعات المحلية، مع ضمان الشفافية في إدارة الموارد. ويمكن أن يساهم الاستثمار السياحي المسؤول في توفير موارد تساعد على صيانة المواقع وتطوير الخدمات المحيطة بها، دون المساس بطبيعتها وهويتها.
ويظل إشراك السكان المحليين عاملاً أساسياً في نجاح أي سياسة للحفاظ على التراث، فالمجتمعات القريبة من المواقع تعرف خصوصياتها ومخاطرها، ويمكن أن تؤدي دوراً مهماً في المراقبة والتوعية والإرشاد السياحي. كما يُمكن للسياحة أن توفر فرصاً اقتصادية للسكان من خلال الصناعات التقليدية، والخدمات، والنقل، والضيافة، والتوجيه ولإرشاد مما يجعل حماية التراث مرتبطة مباشرة بتحسين الظروف المعيشية.
إن مستقبل السياحة في البلاد لا يعتمد فقط على عدد الزوار، بل على جودة المواقع التي تستقبلهم، وعلى قدرتها على الحفاظ على قيمتها الطبيعية والتاريخية والثقافية. لذلك يجب أن تقوم السياسة السياحية على قاعدة واضحة الحفاظ أولاً، ثم الحماية والتأهيل، وبعد ذلك الترويج والاستثمار.
المعالم السياحية تُمثل ذاكرة وطنية وثروة ينبغي الحفاظ عليها للأجيال القادمة، وما تفقده الوطن اليوم بسبب الإهمال قد يصعب استعادته غداً لذلك، يجب أن يكون الحفاظ على هذه المعالم أولوية تسبق الترويج لها، لأن السياحة المستدامة تبدأ من حماية ما تملكه البلاد قبل دعوة الآخرين إلى اكتشافه.
آدم صالح عبد الرحمن












Ajouter un commentaire