لم يعد التغير المناخي تهديداً بعيداً، بل أصبح واقعاً يغلق حياة الملايين من التشاديين، وبينما لا تسهم إفريقيا إلا بنسبة ضئيلة من الانبعاثات العالمية للغازات، فإنها تدفع ثمناً باهظاً وغير متناسب مع آثار اختلال المناخ، وتُعد تشاد واحدة من أبرز الأمثلة على ذلك.
إن التصحر المتسارع، والجفاف المتكرر، والفيضانات المدمرة، وتناقص موارد المياه، وانعدام الأمن الغذائي، كلها تحديات تُضعف بلداً لا يزال جزءً كبيراً من سكانه يعتمد على الزراعة المطرية وتربية الماشية، وخلف هذه الظواهر تكمن مآس إنسانية مثل: محاصيل ضائعة، وأسر نازحة، وصراعات على الموارد الطبيعية، وتفاقم الفقر عاماً بعد عام.
لقد أصبح التراجع الكبير لمنسوب مياه بحيرة تشاد، التي تقلصت مساحتها بنحو 95٪ وفقاً للمركز المناخي للصليب الأحمر والهلال الأحمر، رمزاً لأزمة تتجاوز الحدود الوطنية، فهذه الكارثة البيئية تؤثر مباشرة في سبل عيش ملايين الأشخاص الذين يقيمون في حوض البحيرة، كما تؤجج التوترات الاقتصادية والاجتماعية في منطقة تواجه أصلا تحديات عديدة.
كما أن الفيضانات الاستثنائية التي شهدتها السنوات الأخيرة، ولا سيما في عام 2022م، ذكرت الجميع بقسوة أن التغير المناخي لا يتمثل فقط في نقص المياه، بل أيضا في الأمطار الغزيرة ذات العواقب الكارثية، فقد فقدت آلاف الأسر منازلها ومحاصيلها وممتلكاتها، وكل كارثة تكشف حدود قدراتنا على الوقاية والاستجابة.
أمام هذا الوضع المتسارع، لم تعد الأقوال وحدها كافية، فالتعهدات التي أُعلنت خلال مؤتمرات الأطراف (COP)، يجب أن تتحول إلى إجراءات عملية، واستثمارات مستدامة، وسياسات عامة طموحة، كما أن إدارة الموارد المشتركة عبر الحدود، وخاصة بحيرة تشاد والأنهار الكبرى، تتطلب تعاوناً صادقاً ومستمراً بين الدول المطلة عليها، لأن التحديات المناخية لا تعرف حدوداً، وبالتالي فإن حلولها لا يمكن أن تكون إلا جماعية.
غير أن المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومات وحدها، بل إن الجماعات المحلية، والباحثين، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والشباب، وشركاء التنمية، جميعهم مطلوبون لأداء دوراً حاسماً في بناء قدرة حقيقية على الصمود في وجه التغير المناخي.
إن التغير المناخي يُعد اليوم أحد أكبر تحديات عصرنا، فهو يهدد أمننا الغذائي، واقتصادنا، وصحتنا، واستقرارنا الاجتماعي، وعلى المدى البعيد تنميتنا، كما أن تكلفة التقاعس ستكون دائما أعلى من تكلفة الاستثمار في الوقاية والتكيف والحماية.
ولا تستطيع تشاد أن تنتظر أكثر، فجعل الدبلوماسية البيئية أولوية وطنية، والاستثمار في التكيف مع المناخ، وتعزيز التعاون الإقليمي، لم تعد مجرد خيارات سياسية، بل أصبحت ضرورة من أجل البقاء، وستحكم الأجيال القادمة على قدرتنا على التحرك اليوم، إذ سترث إما نتائج قرارات الشجاعة، أو نتائج الصمت.
التحرير










Ajouter un commentaire