لا تزال ظاهرة الفساد في تشاد تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه مسار الحوكمة والتنمية الاقتصادية، كما تُضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، فعلى الرغم من المبادرات والإصلاحات التي أطلقتها السلطات العامة بالتعاون مع شركائها، ما زالت هذه الآفة تُلقي بظلالها على مختلف القطاعات وتعرقل جهود البناء والتنمية.

ومع اتساع رقعة الظاهرة، لم يعد التصدي للفساد مسؤولية السلطات السياسية وحدها، بل أصبح معركة جماعية تتطلب انخراط جميع مكونات المجتمع، من الإدارات العامة ووسائل الإعلام، إلى منظمات المجتمع المدني والهياكل المهنية والمواطنين أنفسهم. وفي هذا السياق نُظمت يومي 11 و12 مايو 2026م، ورشة تدريبية للإعلاميين حول تعزيز دورهم في مكافحة الفساد وترسيخ ثقافة النزاهة والشفافية. وقد بادرت إلى تنظيم هذه الورشة كل من اتحاد الصحفيين التشاديين والسلطة المستقلة لمكافحة الفساد، تحت شعار: «دور الصحفي في تعزيز النزاهة والشفافية»، وناقشت الورشة بعمق مظاهر الفساد في تشاد، وانعكاساته الخطيرة على المجتمع.
وتُعرّف منظمة الشفافية الدولية الفساد بأنه «إساءة استخدام السلطة لتحقيق مصالح خاصة»، وتتعدد صوره بين اختلاس المال العام، والمحسوبية، والرشوة، والتلاعب بالصفقات العامة، والثراء غير المشروع. وفي تشاد بات الفساد يُنظر إليه باعتباره ظاهرة متجذرة في بعض الممارسات الإدارية منذ عقود، ما جعله يشكل عائقاً حقيقياً أمام التنمية والإصلاح.
ووفقاً لمؤشر إدراك الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، جاءت تشاد سنة 2025م، ضمن الدول الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة، بعدما حصلت على 22 نقطة من أصل 100، واحتلت المرتبة 157 عالمياً، من بين 182 دولة. ويعكس هذا التصنيف حجم التحديات المرتبطة بضعف آليات الرقابة، وغياب الشفافية في تسيير الموارد العامة، واستمرار الإفلات من العقاب، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى العدالة. ولا يزال بعض المواطنين يضطرون في عدد من الإدارات إلى دفع مبالغ مالية لتسريع الإجراءات أو الحصول على خدمات من المفترض أن تكون مكفولة لهم قانوناً.
ولا تقتصر آثار الفساد على الإدارة العامة فحسب، بل تمتد أيضاً إلى القطاع الخاص، حيث يؤدي اختلاس الأموال المخصصة للمشاريع الاجتماعية، إلى تقليص قدرة الدولة على تمويل القطاعات الحيوية، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والمياه والكهرباء. كما أن محدودية المتابعات القضائية في قضايا الفساد، تُكرس شعوراً عاماً بالإفلات من المحاسبة، في وقت يزيد فيه ضعف الوصول إلى المعلومات، من تعقيد الرقابة المجتمعية على إدارة الموارد الوطنية.
وفي خضم هذه التحديات، يقوم الصحفيون ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات بدور محوري في كشف التجاوزات، وإجراء التحقيقات، وتوعية المواطنين بخطورة هذه الآفة. وإدراكاً لأهمية هذا الملف اعتمدت تشاد عدة نصوص قانونية مستوحاة من الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، إلى جانب قوانين وطنية تعنى بالشفافية والحوكمة الرشيدة.
غير أن حجم التحديات ما يزال كبيراً، إذ يواصل الفساد تقويض فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعرقلة تطلعات البلاد نحو التقدم والاستقرار.
وفي المحصلة فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تنجح إلا بإرادة سياسية قوية، مقترنة بتعبئة حقيقية للمؤسسات ووسائل الإعلام والمجتمع المدني والمواطنين. هذه الجهود المشتركة ستكون كفيلة بترسيخ قيم الشفافية والعدالة وبناء حوكمة مسؤولة ومنصفة في خدمة الجميع.
التحرير










Ajouter un commentaire