دعا رئيس الجمهورية، المشير محمد إدريس ديبي إتنو، التشاديين إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية وترسيخ السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي، مؤكداً عزمه مواصلة العمل من أجل بناء تشاد «قوية وموحدة ومزدهرة». جاء ذلك في رسالة وجهها إلى الأمة عشية الاحتفال بالذكرى السادسة والستين لاستقلال تشاد، التي تحل هذا العام تحت شعار الذاكرة والمسؤولية الجماعية.

وأكد رئيس الجمهورية أن ذكرى الاستقلال تمثل مناسبة لتجديد الالتزام الذي قطعه الشعب التشادي منذ عام 1960 بتولي زمام مصيره، مشيراً إلى أن «الدولة لا تولد إلا مرة واحدة، لكنها تتحمل مسؤوليتها وتؤكد ذاتها كل يوم».
وأشاد المشير محمد إدريس ديبي إتنو بآباء الاستقلال ومؤسسي الأمة، وبالأبطال المعروفين والمجهولين، وقوات الدفاع والأمن، مؤكداً أن الأزمات التي مرت بها البلاد على مدى العقود الماضية لم تنل من صمود الشعب التشادي.
وشدد على أن الحفاظ على وحدة البلاد يظل مسؤولية جماعية، داعياً المسؤولين السياسيين والزعماء التقليديين والقادة الدينيين ووسائل الإعلام إلى الاضطلاع بدورهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، وتشجيع الحوار بين الأديان، ومكافحة التطرف، وترسيخ قيم العيش المشترك.
المصالحة والعدالة في مواجهة النزاعات المجتمعية
وأولى رئيس الجمهورية اهتماماً خاصاً للنزاعات المجتمعية، التي وصفها بأنها من أبرز التحديات التي تواجه البلاد، مشيراً إلى عوامل عدة تسهم في تأجيجها، من بينها التفاوت في الوصول إلى الموارد، وبطء الإجراءات القضائية، والانتشار غير المشروع للأسلحة، فضلاً عن ممارسات بعض الفاعلين السياسيين والتدخلات الخارجية.
وفي هذا السياق، دعا إلى تجاوز منطق إدارة الأزمات والانتقال إلى سياسة تقوم على الوقاية والمصالحة المستدامة، إلى جانب تعزيز العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب وتشديد التصدي لشبكات الاتجار غير المشروع بالأسلحة.
كما وجه نداءً إلى التشاديين الذين قال إنهم «يتم التلاعب بهم من الخارج»، داعياً إياهم إلى مراجعة مواقفهم وتغليب المصلحة الوطنية.
تحديث قوات الدفاع وتعزيز السيادة
وفي المجال الأمني، جدد رئيس الجمهورية التزامه بمواصلة تحديث قوات الدفاع والأمن، من خلال توفير المعدات المناسبة، وتعزيز التدريب، وتحسين الظروف المعيشية للعسكريين.
ودافع عن الخيارات التي اتخذتها الدولة في إطار حماية سيادتها، مشيراً إلى أن بعض القرارات قد تترتب عليها تداعيات، لكنه أكد أن التضحيات التي تُقدَّم اليوم تهدف إلى ضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
كما استعرض حصيلة المرحلة الانتقالية السياسية، معرباً عن ارتياحه لعودة البلاد إلى النظام الدستوري، ومشيداً بمشاركة عدد من الفاعلين السياسيين والعسكريين في مسار السلام، ولا سيما الذين ألقوا السلاح وانخرطوا في الحياة السياسية في إطار اتفاق الدوحة.
واعتبر أن مشاركة أكثر من 300 حزب وتجمع سياسي في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة تعكس، وفقاً له، التقدم الذي أحرزته البلاد على المسار الديمقراطي.
ودعا الطبقة السياسية إلى تغليب التوافق في إطار الحوار السياسي الدائم، والعمل على توسيع نطاق المشاركة ليشمل الأحزاب التي ظلت خارج هذا المسار.
تحسين الخدمات ومكافحة الفساد
وأكد رئيس الجمهورية أن تحسين الظروف المعيشية للسكان يمثل أولوية خلال ولايته، مشيراً إلى قطاعات التعليم والصحة ومياه الشرب والكهرباء والبنية التحتية والعدالة.
وفي هذا الإطار، دعا المسؤولين العموميين إلى تحمل مسؤولياتهم كاملة، معلناً عزمه تكثيف الزيارات الميدانية المفاجئة ومحاسبة المسؤولين في حال تسجيل تقصير في أداء مهامهم.
كما وضع مكافحة الفساد واختلاس الأموال العامة والاحتيال والمحسوبية ضمن أولويات الدولة، مؤكداً أن «كل فرنك من أموال الدولة ملك للشعب التشادي»، وداعياً إلى إدارة الموارد العامة بصرامة وفعالية.
اللامركزية وتنويع الاقتصاد
وجدد رئيس الجمهورية التزامه بجعل اللامركزية واقعاً ملموساً، مشيراً إلى أن تنصيب الجماعات المحلية المستقلة في المقاطعات الـ124 وتوفير الوسائل اللازمة لها لم يمنع استمرار بعض أوجه القصور في مجال الحوكمة المحلية.
اقتصادياً، شدد على ضرورة تقليص اعتماد البلاد على النفط، من خلال تنويع مصادر النمو وتحسين استغلال الموارد الطبيعية، وتطوير الزراعة، وتحديث قطاع الثروة الحيوانية، وتشجيع ريادة الأعمال.
الشباب والمرأة في صلب التنمية
وأولى المشير محمد إدريس ديبي إتنو اهتماماً خاصاً بالشباب، مؤكداً أنهم يمثلون حاضر تشاد ومستقبلها، ومتعهدًا بمواصلة الاستثمار في التعليم والتكوين المهني والإدماج الاقتصادي وريادة الأعمال.
كما أشاد بدور المرأة التشادية، مجدداً التزامه بتعزيز مشاركتها في الحياة الاقتصادية وتمكينها من الوصول إلى مواقع المسؤولية العامة.
عفو رئاسي
وفي ختام رسالته، أعلن رئيس الجمهورية أنه سيصدر، في إطار الصلاحيات التي يمنحها له الدستور، عفواً رئاسياً لصالح عدد من المواطنين المحكوم عليهم.
وأكد أن هذا القرار يندرج ضمن التوجه نحو تعزيز المصالحة وفتح آفاق جديدة أمام الاستقرار والتماسك الوطني، مجدداً دعوته إلى التشاديين للتمسك بالوحدة والسلام والعمل المشترك من أجل بناء دولة أكثر استقراراً وسيادة وازدهاراً.












Ajouter un commentaire