Accueil » ​مجتمع: الاتكالية ونظرة «التعالي» وإهمال المهن تُهدران طاقات الشباب والخريجين
مجتمع

​مجتمع: الاتكالية ونظرة «التعالي» وإهمال المهن تُهدران طاقات الشباب والخريجين

​في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، والتسابق المحموم نحو الوظيفة الحكومية، يدور جدل واسع بين أوساط الشباب خاصة الخريجين حول جدوى الانتظار أو ارتياد المهن والأعمال المشار إليها اختزالاً بـ «الهامشية».

حول هذه الظاهرة أسبابها ومخاطرها، والحلول الكفيلة بكسر الحواجز تجاه المهن الحرة، حول هذا الموضوع اجرى فريق من صحيفة انفو لقاءين مع أحد الشباب في مجال ريادة الأعمال، ومع الأستاذ الباحث في علم الاجتماع والمحاضر بجامعة الملك فيصل، الدكتور محمد صالح أيوب، وذلك يوم الأربعاء 30 من سبتمبر 2026م، مستعرضتين تجارب واقعية وحلولا عملية تضمن للشاب استقلاله المالي وكرامته الاجتماعية ، بجانب هذا تم الوقوف على تجربة ناجحة لأحد من الشباب التشاديين استطاع أن يكسر قيود «انتظار الوظيفة» وارتياد عمل حر يعتبرها البعض من الأعمال الهامشية.

​حيث قدم الشاب أحمد مصطفى علي (34 عاماً) نموذجاً مختلفاً للريادة والاعتماد على الذات، أحمد الحاصل على البكالوريوس في المالية والخزانة العامة من المدرسة الوطنية للإدارة بجمهورية النيجر عام 2018م، يرى أن التعليم الجامعي ليس تذكرة للوظيفة العامة، بل وسيلة لتوسيع المدارك وإدارة المشاريع الخاصة بنجاح، تجسدت هذه الفلسفة في تجربة عائلية ملهمة، حيث استثمر أحمد في مشروع مطعم صغير أسسته شقيقته الكبرى (طبيبة بيطرية) أثناء انتظارها الطويل للتوظيف، وتحول هذا المشروع الصغير، الذي بدأ ببيع وجبات سريعة ومشروبات شعبية، إلى مورد مالي رئيسي غطى تكاليف دراسته الجامعية بالنيجر، وساعده على شراء قطعة أرض سكنية بمنطقة «كليسم»، وتأسيس أسرته ، داعياً الخريجين إلى تجاوز الصعوبات الأولى وعدم الاستهانة بالبدايات الصغيرة، مشدداً على أن العمل الحر هو المسار الأسرع لتحقيق الاستقرار المالي وبناء المستقبل.

​من جانبه تطرق أستاذ علم النفس الاجتماعي  محمد صالح أيوب،  في مستهل حديثه إلى جذور ظاهرة استخفاف وإهمال  الخريجين لبعض الأعمال التي يعتبرونها هامشية، موضحاً أن عزوف الشباب عن الأنشطة الاقتصادية المدرة للدخل (كالحلاقة، السمكرة، والخدمات الفندقية ، والنظافة العامة) يعود إلى الاتكالية الموروثة والنظرة النمطية، لدى بعض الأسر (خاصة الطبقة الوسطى)، ترافقها مظاهر شائعة من التكبر التي تُورث الخريجين نظرة سلبيّة ومسبقة تجاه هذه الأعمال على عكس البلدان المتقدمة التي تُصنّف هذه الأنشطة كأعمال شبابية أو ترفيهية مهمة، ويُستشهد الأستاذ الباحث خلال الحوار بملاحظة ميدانية لافتة أثناء زيارته لمدينة روما الايطالية، حيث تدار عمليات جمع النفايات وتنظيف المدينة في الساعات المتأخرة من الليل (من 2 إلى 5 فجراً) عبر طالبات جامعيات بينهن طالبات طب وهندسة يستغللن هذه الأوقات لجمع مبالغ مالية مجزية (تصل إلى نحو 1000 يورو شهرياً) تُغنيهن عن الحاجة.

​ورداً على سؤال حول التبعات الناجمة عن استخفاف الشباب بهذه المهن وإنتظار الوظيفة العامة، أوضح أن الخطر الحقيقي لا يكمن في طبيعة العمل نفسه، بل في مخاطر استراتيجية يقع فيها الشاب من بينها خسارة رأس المال الزمني: (استنزاف مرحلة الشباب والصحة في الفراغ)، تفويت فرصة اكتساب حرفة يدوية أو مهارة ميدانية (كالخياطة والصيدلة وغيرها)، فضلاً عن بناء شبكة علاقات عمل واسعة.

واستعرض الأستاذ الباحث أيوب، شواهد حية وتجارب واقعية لطلاب وخريجين استطاعوا كسر العيب الاجتماعي وصناعة واقع أفضل: من بينهم معلم يعمل كموزع للخبز قبل أن يوظف في مدينة بنقور، مما مكّنه من بناء مستقبل زاهر لأسرته، بجانب نماذج من القطاع الصحي والصيدلي: استغلوا فترة ما قبل التوظيف في تأسيس صيدليات ومشاريع خاصة، وعندما صدرت قرار توظيفهم كانوا في موقع قوة.

و​ختم الأستاذ الباحث في علم الاجتماع أيوب، حديثه بتوجيه رسالة مباشرة ومؤثرة للشباب، داعياً إياهم إلى عدم انتظار الوظيفة العامة بوضع اليد على الخد، بل المبادرة الفورية نحو استغلال الوقت، واكتساب مهنة جانبية، والتحول إلى عناصر منتجة داخل أسرهم ومجتمعاتهم، بحيث تصبح الوظيفة الحكومية خياراً مُكملاً يُتفاوض عليه، لا طوق نجاة أخير يُنتظر على حساب زهرة الشباب.

محمد طاهر ياسر

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire