تُشكل الثروة الحيوانية إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد التشادي، وتُعد من أهم القطاعات الإنتاجية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين في تأمين سبل عيشهم. وإلى جانب دورها الاقتصادي البارز، تمثل الثروة الحيوانية مورداً استراتيجياً يسهم في تعزيز الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، ودعم التبادل التجاري مع دول الجوار، كما يُنظر إلى هذا القطاع بوصفه أحد أهم محركات التنمية الريفية، نظراً لارتباطه المباشر بحياة السكان في مختلف أنحاء البلاد.

وتتمتع البلاد بمكانة متقدمة على مستوى القارة الإفريقية، ولا سيما في منطقة وسط إفريقيا، بفضل ما تمتلكه من ثروة حيوانية ضخمة تضم: الأبقار والإبل والأغنام والماعز. وقد جعل هذا المخزون الحيواني الكبير البلاد، واحدة من أبرز الدول المنتجة والمصدرة للماشية في المنطقة، ما يمنحها إمكانات كبيرة لتطوير الصناعات المرتبطة باللحوم والألبان، وتحقيق قيمة مضافة أعلى للاقتصاد الوطني.
ويكتسب قطاعاً الألبان واللحوم، أهمية خاصة داخل المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، إذ يشكلان مصدراً رئيسياً للدخل بالنسبة للأسر الرعوية والزراعية، كما يسهمان في توفير الغذاء وتعزيز الأمن الغذائي للسكان. وتوفر سلاسل القيمة المرتبطة بهذين القطاعين فرص عمل متعددة تشمل الإنتاج، والنقل، والتسويق، والتصنيع، الأمر الذي يجعلها من القطاعات القادرة على خلق الثروة وتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي.
ورغم هذه المقومات الواعدة، لا تزال قيمة الألبان واللحوم، تواجه جملة من التحديات التي تحدّ من قدرتها على تحقيق مستويات أعلى من الإنتاجية والتنافسية. ويأتي في مقدمة هذه التحديات ضعف البنية التحتية الداعمة للقطاع، بما في ذلك شبكات النقل، ومرافق التخزين، وآليات التبريد، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع نسبة الانتاج، ويزيد من قدرتها على المنافسة في الأسواق.
ويُعدّ محدودية التصنيع والتحويل المحلي، من أبرز العقبات التي تواجه القطاع، إذ لا تزال نسبة كبيرة من الإنتاج الحيواني تُسوَّق في صورتها الأولية، دون الاستفادة من عمليات التحويل والتصنيع، التي ترفع من قيمتها الاقتصادية. ويترتب على ذلك استمرار الاعتماد بدرجة كبيرة على تصدير الماشية الحية، بدلاً من تصدير منتجات مصنّعة قادرة على تحقيق عائدات أكبر وخلق فرص عمل إضافية.
وتشمل التحديات الأخرى، محدودية الوصول إلى التمويل، وضعف الخدمات البيطرية في بعض المناطق، فضلاً عن انتشار بعض الأمراض الحيوانية التي تؤثر في الإنتاج والجودة. كما أن ضعف التنظيم المهني للفاعلين في القطاع، يحدّ من فعالية التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية، ويؤثر في كفاءة عمليات الإنتاج والتسويق.
إلى جانب ذلك، تفرض التغيرات المناخية تحديات متزايدة على أنظمة الإنتاج الحيواني، من خلال تأثيرها المباشر في المراعي الطبيعية وموارد المياه. وقد أدى ذلك إلى زيادة الضغوط على المربين والرعاة، ما يستدعي اعتماد أساليب إنتاج أكثر استدامة، وأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات البيئية والمناخية.
وفي المقابل، تتيح هذه التحديات فرصاً حقيقية لإعادة هيكلة القطاع وتعزيز أدائه. فزيادة الاستثمارات في البنية التحتية، وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالألبان واللحوم، وتحسين الخدمات البيطرية، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وتعزيز قدرات الفاعلين في القطاع، كلها إجراءات من شأنها الإسهام في رفع الإنتاجية، وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات الحيوانية التشادية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى تطوير سلاسل قيمة الألبان واللحوم وتحويلها إلى منظومات اقتصادية متكاملة قادرة على تحقيق قيمة مضافة أكبر، وتعزيز الأمن الغذائي، وزيادة مساهمة القطاع في النمو الاقتصادي الوطني. فالإمكانات المتاحة كبيرة، غير أن الاستفادة منها على الوجه الأمثل، تتطلب استثمارات مدروسة وإصلاحات هيكلية تمكّن تشاد من تحويل ثروتها الحيوانية إلى داعم حقيقي للتنمية المستدامة.
سعاد محمد جبريل












Ajouter un commentaire