بعد نحو أربع سنوات على توقيع اتفاق الدوحة للسلام في 8 أغسطس 2022، بين الحكومة التشادية وعدد من الحركات السياسية-العسكرية المعارضة، تبرز حصيلة الاتفاقية باعتبارها إحدى المحطات المهمة في مسار البحث عن السلام والاستقرار في تشاد، لما أتاحته من عودة عدد من الحركات إلى البلاد، ومشاركتها في الحوار الوطني الشامل والسيادي، ثم انخراط عدد من أعضائها في مؤسسات الدولة والحياة السياسية.

وفي ذات السياق أجرى فريق من صحيفة «إنفو»، يوم الجمعة 7 أغسطس 2026م، لقاءا مع وزير الإعلام الناطق باسم الحكومة، قاسم شريف محمد، حيث اكد أن اتفاقية الدوحة حققت «حصيلة إيجابية»، وأسهمت في وضع حد لدورة من الحروب الأهلية التي أثرت لسنوات على استقرار البلاد ومسار التنمية.
ووصف الوزير الاتفاقية بأنها «اتفاقية تاريخية»، بالنظر إلى حجمها وطبيعتها، موضحاً أنها جاءت نتيجة مفاوضات احتضنتها العاصمة القطرية الدوحة، واستمرت نحو خمسة إلى ستة أشهر، وجمعت عدداً كبيراً من الحركات السياسية-العسكرية التشادية.
وأوضح قاسم شريف محمد أن أهمية اتفاقية الدوحة لم تقتصر على وقف المواجهات المسلحة، بل شكلت مدخلاً لإعادة إدماج الحركات السياسية-العسكرية في الحياة السياسية الوطنية، ومشاركتها في الحوار الوطني الشامل والسيادي الذي انعقد في أنجمينا، مضيفا أن الحوار الوطني مثّل «لحظة تاريخية» أتيح خلالها للتشاديين من مختلف المكونات التعبير عن آرائهم ومناقشة القضايا والأزمات التي تواجه البلاد.
وأشار قاسم شريف إلى أن عدداً من أعضاء الحركات السياسية-العسكرية عادوا إلى البلاد وشاركوا في الحوار الوطني، فيما تم إدماج نحو 40 منهم في المجلس الوطني الانتقالي خلال المرحلة الانتقالية، حيث شاركوا في العمل التشريعي ومناقشة عدد من القوانين التي أسهمت في إنشاء مؤسسات جديدة وإعادة تفعيل مؤسسات قائمة، وأضاف أن عدداً آخر من أعضاء هذه الحركات التحقوا بالحكومة ومؤسسات الدولة المختلفة، فضلاً عن انتقال بعض الحركات من العمل المسلح إلى العمل السياسي وتأسيس أحزاب سياسية، معتبراً أن هذه التطورات تعكس نجاح سياسة «اليد الممدودة» التي أعلنها رئيس الجمهورية المشير محمد إدريس ديبي إتنو.
وبشأن تنفيذ بنود اتفاق الدوحة، أوضح وزير الإعلام أن عدداً من الالتزامات تم احترامها أو الشروع في تنفيذها، لا سيما في المجالات السياسية والمؤسساتية، فيما لا تزال بعض الملفات الأخرى قيد الدراسة والتنفيذ، وفي مقدمتها ملف برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، موضحاً أن عملية الإدماج بدأت فعلياً من خلال إشراك عناصر الحركات السياسية-العسكرية في الحكومة والمجلس الوطني الانتقالي ومؤسسات اتخاذ القرار.
وأوضح وزير الإعلام، أن الجانب العسكري من البرنامج لا يزال يتطلب استكمال عدد من الترتيبات، مشيراً إلى إنشاء لجنة وطنية تضم الحكومة والحركات السياسية-العسكرية والشركاء المعنيين، إلى جانب العمل على إعداد الأطر القانونية والفنية اللازمة لتنفيذ البرنامج، مؤكداً أن عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج «معقدة وتحتاج إلى مزيد من الوقت».
وشدد وزير الإعلام أن اتفاقية الدوحة ساهمت في تعزيز السلام والاستقرار في تشاد، معتبراً أن عدم عودة البلاد، منذ عام 2021م، إلى حرب أهلية بين التشاديين يمثل مكسباً مهماً ينبغي الحفاظ عليه، وإن استمرار الهدوء يتطلب مواصلة جهود جميع الأطراف، مؤكداً أن «السلام هو أساس التنمية والحياة والتماسك الوطني». مضيفاً أن إنهاء الصراعات المسلحة يمثل مكسباً مهماً للبلاد، بالنظر إلى الخسائر البشرية والاقتصادية التي خلفتها الحروب السابقة، وما ترتب عليها من تأثير مباشر على التنمية ومشاريع الدولة.
وأشاد وزير الإعلام بالدور الذي لعبته دولة قطر في احتضان مفاوضات الدوحة والحوار التمهيدي الذي سبق توقيع الاتفاق، معتبراً أن الرعاية القطرية أسهمت في جمع الأطراف التشادية حول طاولة الحوار، موضحاً أن مسار السلام لم يعد مرتبطاً بقطر وحدها، بل أصبح يحظى بمواكبة عدد من الشركاء الدوليين الذين يقدمون دعماً فنياً للحكومة التشادية، خصوصاً في إعداد الأطر القانونية والمؤسساتية الخاصة ببرنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، مؤكدا أن قطر وشركاء آخرين يواصلون دعم جهود تشاد الرامية إلى ترسيخ السلام والاستقرار وتعزيز مسار المصالحة الوطنية.
وفي ختام المقابلة، جدد وزير الإعلام دعوته إلى الأطراف التي لم تستجب بعد لسياسة «اليد الممدودة» التي أعلنها رئيس الجمهورية، داعياً إياها إلى العودة إلى البلاد والانخراط في العملية السياسية.
وقال إن هذهاليد «ممدودة بمصداقية وإخلاص»، معتبراً أن مشاركته الشخصية في الحكومة وتوليه منصب وزير الإعلام والناطق باسم الحكومة يمثلان، بحسب تعبيره، دليلاً على الثقة وإرادة إشراك مختلف الأطراف في الحياة السياسية الوطنية، مؤكداً أن الحوار بين أبناء تشاد في إدارة البلاد والعمل المشترك، هو السبيل الوحيد لإنهاء الخلافات.
واختتم قاسم شريف حديثه بالتأكيد على أن مستقبل تشاد لا يمكن أن يبنى إلا على أساس السلام والحوار والمشاركة السياسية، داعياً جميع الأطراف إلى اغتنام الفرصة والعودة إلى الوطن والمساهمة في بناء الدولة.
وللتذكير فإن اتفاقية الدوحة للسلام بين الحكومة التشادية وعدد من الحركات السياسية-العسكرية المعارضة جرت في 8 أغسطس 2022م، بالعاصمة القطرية الدوحة، بعد مفاوضات وحوار تمهيدي، مهّد الطريق أمام انعقاد الحوار الوطني الشامل والسيادي في أنجمينا في أغسطس من العام نفسه، بمشاركة طيف واسع من القوى السياسية والمجتمعية والحركات المسلحة التي عادت إلى البلاد.
ونصت الاتفاقية، في أبرز مضامينها، على وقف الأعمال العدائية، وتوفير الضمانات اللازمة لعودة قادة الحركات، والعفو عن المشاركين في النزاع، إلى جانب وضع مسار لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، بما يهدف إلى الانتقال من العمل المسلح إلى المشاركة السياسية والمؤسساتية.
علي حامد إدريس











Ajouter un commentaire