Accueil » الافتتاحية : نحو وضع حد للفوضى في الفضاء الرقمي
الافتتاحية

الافتتاحية : نحو وضع حد للفوضى في الفضاء الرقمي

الحوار، وسيلة لا غنى عنها

في السادس عشر من فبراير 2026، صادق أعضاء الجمعية الوطنية بأغلبية كبيرة على مشروع القانون المتعلق بالمصادقة على الأمر رقم 01/ر.ج/2026 الخاص بإصلاح الوكالة الوطنية لأمن المعلومات والتصديق الإلكتروني. ولم يكن التصويت إجراءً شكلياً، بل عكس إدراكاً متزايداً بأن الفضاء الرقمي لم يعد مجالاً تقنياً ثانوياً، بل أصبح فضاءً سيادياً تتقاطع فيه اعتبارات الأمن الوطني، والسيادة، وحماية الحريات الفردية.

الافتتاحية : نحو وضع حد للفوضى في الفضاء الرقمي

أُنشئت الوكالة في العاشر من فبراير 2015 بهدف تعزيز الثقة الرقمية، وحماية البنى التحتية الحيوية، وتأطير معالجة البيانات وخدمات الثقة الإلكترونية. واليوم تُناط بها مهام أكثر إلحاحاً، من تأمين الأنظمة الوطنية وصون المعطيات الشخصية، إلى حماية المعاملات الإلكترونية من التهديدات السيبرانية. فهي نظرياً خط الدفاع الأول عن الدولة والمواطن في الفضاء الرقمي.
غير أن الواقع كشف عن فجوة بين النصوص والتطبيق. فقد تكررت حوادث اختراق البيانات، وتزايدت الاعتداءات على الحياة الخاصة، وانتشرت حملات التشهير وخطابات الكراهية، فضلاً عن تسريب معلومات حساسة تتصل بالشأن العام. هذا الوضع يطرح سؤالاً جوهرياً حول فعالية الردع، إذ إن وجود القوانين لا يكفي ما لم يقترن بإنفاذ حازم يعيد الثقة ويكرس مبدأ المساءلة.
ويأتي الإصلاح الجديد لسد هذه الثغرات عبر تحديث الإطار القانوني وتعزيز أدوات التدخل، بما يواكب التحولات التكنولوجية المتسارعة ويحصن السيادة الرقمية، خاصة في زمن أصبحت فيه البيانات مورداً استراتيجياً بالغ الأهمية.
لكن الإصلاح التشريعي مهما بلغت أهميته، يظل رهين التنفيذ العملي. فالمطلوب أن تترجم النصوص إلى إجراءات واضحة وشفافة، تطبق بعدالة ومن دون انتقائية. وليس الهدف إقرار عقوبات مشددة بقدر ما هو تثبيت هيبة القانون ووضع حد لحالة التسيب التي أضعفت الثقة في المنظومة.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال المعالجة في البعد الزجري وحده. فالتوسع المتسارع في استخدام التكنولوجيا، لاسيما بين فئة القُصّر، يفرض مقاربة وقائية موازية، تقوم على نشر الثقافة الرقمية وتعزيز الوعي بمخاطر الاستعمال غير المسؤول، من انتهاك الخصوصية إلى إساءة توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي.
تقع المسؤولية اليوم على عاتق الجميع: الدولة من خلال الوزارة المكلفة بالأمن العام بصفتها الجهة الوصية، والوكالة ذاتها، والمؤسسات التعليمية، والأسر، ومكونات المجتمع المدني. فترسيخ ثقافة رقمية راسخة لا يتم بقرار إداري فحسب، بل ببناء وعي جماعي يقوم على المسؤولية، واحترام الخصوصية، وصون المعطيات الشخصية.
وبين الإفراط في التساهل والمبالغة في العقاب، يظل الخيار الأجدى هو اعتماد مقاربة متوازنة: صرامة عادلة في تطبيق النصوص، ووضوح في شرحها، واستمرارية في تنفيذها. فإصلاح الوكالة لن يُقاس بسلامة النوايا، بل بما يحققه من أثر ملموس يعيد الثقة وينظم الفضاء الرقمي على أسس ثابتة.

التحرير

À propos de l'auteur

Maimouna Moussa

Ajouter un commentaire

Cliquez ici pour poster un commentaire