هناك أرقام تتحدث عن نفسها، فقد شارك أكثر من ٥٢ ألف مترشح، في مسابقة الالتحاق بالشرطة الوطنية، والتي جرت يوم السبت 14 فبراير 2026م، فمن بين المترشحين البالغ عددهم ٥٢ الف مترشح، بلغ عدد الفتيات المترشحات ٧،٦٤٠ مترشحة، وهذا الرقم ليس عابراً، بل يدل على تحول عميق في تطور المجتمع التشادي.

لفترة طويلة، اعتُبرت مهن الأمن مجالاً حصرياً للرجال فقط، وكانت النساء اللواتي يجرؤن على خوض غمارها يُنظر إليهن كاستثناءات، بل كحالات شاذة تقريباً، لكن تلك الحقبة تبدو اليوم وكأنها انتهت، فمن خلال الإقبال الكبير على هذه المسابقة، تُعبّر آلاف الشابات بوضوح عن طموحهن في خدمة الوطن، والمساهمة في حماية المواطنين، والمشاركة الكاملة في بناء الدولة.
هذا الحراك ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس لتحول صامت لكنه محسوم عقلياً، فالحدود التقليدية للأدوار الاجتماعية تتلاشى تدريجيا، والطموحات تتغير، والنماذج تتطور، فالنساء لم يعدن يطلبن مكاناً، بل يأخذنه بأنفسهن.
وفي سياق تُعدّ فيه الأمن إحدى ركائز التنمية والاستقرار، فإن هذا الالتزام يشكل مكسباً كبيراً. فشرطة تشبه المجتمع الذي تحميه بشكل أكبر، تكتسب ميزة إضافية وتبني ثقة أكبر. كما أن المؤسسة التي تدمج الكفاءات النسائية بشكل كامل تكسب قرباً أكبر من المواطنين، وإصغاء أفضل، وفعالية أعلى، خاصة في معالجة القضايا التي تمس النساء والأطفال.
غير أن حماس المترشحات وحده لا يكفي، إذ إن الرهان أصبح نوعياً، فاستقبال هؤلاء النساء يقتضي توفير ظروف تكوين عادلة، وآفاق تطور واضحة، وبيئة مهنية محترمة، فالمساواة ليست شعاراً، بل يجب أن تكون ممارسة فعلية.
وما وراء الأرقام، يتجلى تأكيد على روح المواطنة، فباختيارهن الالتحاق بالقوات المكلفة بحفظ النظام العام، تؤكد هؤلاء النساء حقيقة واضحة، بأن خدمة الوطن لا جنس لها، بل إنها مسألة التزام ومسؤولية وإرادة.
وكما شدد وزير الأمن العام والهجرة، علي أحمد أغبش، فإن الشابات التشاديات لهن نفس الفرص ونفس الواجبات التي للشباب، ويبقى أن تُترجم هذه الوعود إلى واقع ملموس ودائم.
قد تمثل هذه المسابقة منعطفاً مهماً، ويبقى العمل على ألا تكون مجرد لحظة عابرة، بل علامة على تحول لا رجعة فيه.
التحرير










Ajouter un commentaire