لم يكن انتقال الجنرال روداي باتيندا، من قرى جنوب تشاد إلى واحدة من أبرز المدارس العسكرية في أفريقيا الاستوائية الفرنسية مجرد محطة تعليمية عابرة، بل كانت البداية الحقيقية لمسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود في خدمة الجيش والدولة، في هذا الجزء من الحوار

ولد في بورو بولاية مندول بمحافظة بحر سارا ونشأ في بيئة ريفية بسيطة، تنقل خلالها بين نغالو وبورو وبندانغ وبيري وداتيبو، وقال «حيث تعلمت منذ الصغر معنى الصبر والاعتماد على النفس واحترام الأسرة والعمل».
في حديثه أن التحاقه بمدرسة براعم الجيش لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة مسار بدأ منذ سنوات الطفولة الأولى. في تلك الحقبة، لم يكن التعليم متاحاً كما هو اليوم، وكانت المدارس محدودة، لكن والده كان يؤمن بأن العلم هو السبيل الوحيد لانتشال الأبناء من حياة الفقر والجهل، التحق أولاً بالمدرسة الابتدائية في مويسالا بين عامي 1942 و1943، ثم واصل دراسته في فور أرشامبول (سار حالياً ) حتى عام 1948م، وخلال تلك السنوات كان شغوفاً بالتعليم، ملتزماً بالانضباط، الأمر الذي جعله محط اهتمام المعلمين والإداريين.
كان الاستعمار الفرنسي آنذاك، يبحث عن التلاميذ المتفوقين لإلحاقهم بمدرسة براعم الجيش في برازافيل، وهي مؤسسة عسكرية وتعليمية مرموقة كانت تستقبل أبناء مختلف أقاليم أفريقيا الاستوائية الفرنسية، وبعد اجتياز مراحل الاختيار، تم ترشيحيه للالتحاق بهذه المدرسة، وهو القرار الذي غيّر حياته بالكامل.
ويستذكر الجنرال روداي لحظة مغادرته لتشاد عام 1948م، متوجهاً إلى برازافيل. كانت تلك أول مرة غادر فيها وطنه وأسرته. لم يكن الأمر سهلاً على طفل صغير، فقد كان عليه أن يودع والديه وأقاربه وأنتقل إلى عالم مختلف تماماً، تسوده القوانين الصارمة والنظام العسكري والانضباط اليومي.
وأشار قائلاً «عندما وصلت لمدرسة أبناء الجيش، وجدت نفسي وسط شباب قدموا من الكونغو والغابون وأفريقيا الوسطى وتشاد وغيرها من أقاليم أفريقيا الاستوائية الفرنسية. كنا نتحدث لغات ولهجات مختلفة، لكننا كنا نتعلم العيش معاً تحت راية الانضباط والاحترام المتبادل».
لم تكن المدرسة مجرد مؤسسة لتعليم استخدام السلاح، بل كانت مدرسة لتكوين الإنسان، كان يتلقى تعليماً أكاديمياً في اللغة الفرنسية والرياضيات والتاريخ والجغرافيا والعلوم، إلى جانب تدريبات عسكرية ورياضية مكثفة. كما تعلم احترام الوقت، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية، والانضباط، وهي قيم لازمتني طوال حياتي.
وبعد تخرجه من مدرسة أبناء الجيش، التحق بكتيبة المشاة الكونغولية والغابونية عام 1954م، في بوانت نوار ضمن الجيش الفرنسي، وهناك بدأت المرحلة العملية من مسيرته العسكرية. وفي عام 1955م، حصل على شهادة الكفاءة العسكرية المشتركة (CIA)، وترقى تباعاً إلى رتب عريف أول ثم رقيب ثم رقيب أول.
وبعد استقلال تشاد، انضم إلى الجيش الوطني التشادي، وواصل التكوين العسكري في فرنسا، حيث تلقى تدريباً في فريجوس وسان ميكسان بين عامي 1961 و1964م، قبل أن يبدأ مسيرة طويلة في خدمة الدولة.
كما شرف بتمثيل تشاد ملحقاً عسكرياً في سفارة تشاد بزائير (كينشاسا)، قبل أن يعين حاكماً لإقليم لوغون الشرقي، ثم مستشاراً برئاسة الجمهورية مكلفاً بالمشاريع الرئاسية الكبرى، إلى أن أحيل إلى التقاعد عام 2001م، بعد مسيرة امتدت قرابة نصف قرن في خدمة الوطن.
وخلال هذه المسيرة تدرج في مختلف الرتب العسكرية، من عريف في الجيش الفرنسي إلى رتبة عميد (جنرال)، ونال عدة أوسمة، منها وسام الاستحقاق المدني برتبة فارس، ووسام الاستحقاق الوطني برتبة ضابط، إضافة إلى أوسمة البسالة العسكرية.
علي حامد إدريس












Ajouter un commentaire