بعد أكثر من عقد ونصف على تأسيسها بقرار رسمي عام 2007م، تقف الأوركسترا الوطنية التشادية أمام أسئلة تتعلق بدورها ومستقبلها، في ظل الحاجة إلى رؤية واضحة تضعها في صلب المنظومة الثقافية الوطنية، فلم يعد التحدي يتمثل في إثبات وجودها، بقدر ما يرتبط بقدرتها على الانتقال من حضور محدود في المناسبات الرسمية إلى مؤسسة فاعلة في صناعة الثقافة وحفظ الذاكرة الموسيقية التشادية.

تتمثل مهام الأوركسترا، في جوهرها، في جمع الإيقاعات التقليدية، وحصر التراث الصوتي لمختلف الولايات، ودعم المبدعين، غير أن حضورها العملي ظل مرتبطاً إلى حد كبير بالعروض الرسمية واستقبال الوفود والضيوف، وقد أدى هذا الدور المحدود إلى حصر مؤسسة يفترض أن تكون حاضنة للتراث والإبداع في وظيفة بروتوكولية لا تعكس حجم التنوع الموسيقي الذي تزخر به البلاد.
وتملك البلاد رصيداً موسيقياً غنياً، أسهمت في تشكيله فرق وشخصيات فنية بارزة، من بينها فرقة “شاري جاز”، إلى جانب تجارب حديثة نجحت في إيصال الموسيقى التشادية إلى المحافل الدولية، مثل “حاش ساو”، و “أفروترونيكس”، فضلاً عن عازفين وفنانين تركوا بصماتهم في المشهد الموسيقي، إلا أن هذا الرصيد يواجه تحديات تتعلق بالتوثيق والهيكلة، ما يجعل جانباً مهماً من التراث محفوظاً في الأرشيفات العائلية والمبادرات الفردية.
ويستدعي تجاوز هذا الوضع إعادة تعريف الدور القانوني والفني للأوركسترا، ووضع برنامج سنوي مستمر يتيح لها الانتقال من النشاط الموسمي إلى الإنتاج الفني المنتظم والانتشار الجماهيري، كما يتطلب الأمر توفير تمويل مستدام، وتخصيص بند مستقل لرقمنة الأرشيف الموسيقي، وإنشاء مكتبة صوتية وطنية لحفظ التراث الشفهي والموسيقي.
ومن الأولويات أيضاً تطوير مهارات العازفين والموزعين وفنيي العروض، وتحويل الأوركسترا إلى فضاء دائم للتكوين بالتعاون مع المؤسسات الإقليمية والدولية، إلى جانب تنظيم حفلات وإقامات فنية في عواصم الولايات والفضاءات العامة.
ويمكن أن يشكل إنشاء “مهرجان وطني للأوركسترا والتقاليد الموسيقية”، منصة تجمع الفرق المحلية بفناني المهجر وضيوف من القارة الإفريقية، بما يعزز التنوع الثقافي ويحول الموسيقى إلى أداة للقوة الناعمة والتماسك الاجتماعي وفرص العمل للشباب.
إن انتقال الأوركسترا الوطنية من ساحات البروتوكول إلى فضاء الثقافة الوطنية يتطلب إرادة واضحة، وتمويلاً كافياً واستقلالية في البرامج، فالموسيقى ليست مجرد عروض، بل ذاكرة وطنية يمكن أن تسهم في سرد تاريخ البلاد وصون تراثها وصناعة مستقبلها الثقافي.
علي موسى مهاجر












Ajouter un commentaire